نتساءل اليوم لماذا هجر الجمال قلوبنا... لماذا تمرد لدرجة أن ليالينا خلت من نجوم كانت يوما لنا؟! أصبحنا نسير في الحياة جمادا بلا أرواح، نمر على أطلال التاريخ فلا تحركنا سوى للتشويه.. للتدمير، لا فجر يسكن قلوبنا، ولا غسق يغسل ضمائرنا؟! من أين تكونت هذه الثغرات في الوعي، لدرجة أننا بتنا نعتدي على كل نعم الله من الجمال: طبيعة، بشر، حيوان، حتى الحجر؟! ونتساءل هل الجمال ثقافة أم وعي، هل هو فردي أم جماعي.. هل هو نفسه لدى جميع الثقافات وعلى مر العصور؟ منا من يقول هو ثقافة، ومنا من يقول هو وعي، وأراه شيئا من هذا وشيئا من ذاك، ولكن الأكيد أنه لولا الطبيعة لما كان الجمال، فهي أم الفنون: محركتها وحاضنتها. فكيف لفنان أن يرسم وردة من غير وجود هذه الوردة، وكيف لشاعر أن يصف روعة البراري دون أن تكون قد ارتوت روحه من الطبيعة؟! الفن يخلق بين أيدي البشر، بينما الطبيعة خلق رباني، فبدون الأصل الجميل الذي يحب الجمال سبحانه لا يمكن أن يكون جمال، إذن هل تذوق الجمال فطري أم نوع من أنواع الوعي ينمو بدواخلنا؟ مرة أخرى أم أنه شيء من هذا وشيء من ذاك.

ندرك جيدا أن تذوق الطبيعة يختلف من شخص لآخر، قليل من يرى الطبيعة أو على الأقل يعيشها بروحه، فكثير منا من لا يرى الشمس، وهي التي تزورنا في النهار ولا تنسانا في الليل فترسل إلينا ضياء الأنجم، تريد أن تتعرف على الشمس، اقترب وشاهدها في عيني كل طفل، وتلمسها في نبض قلبه، ففي دواخل الطفولة، المشاعر لم تلوث، وفي تواصل متزن بين كل ما هو داخل وكل ما هو خارج من الروح، وطوبى لمن أبقى على الطفولة حية بداخله؛ ليعيش ليس فقط الشمس بل المواسم، جميعها تقدم له كل سبل الاستمتاع من خجل قمر إلى خشوع نسيم، من ذهب قمح إلى أرجوان جوري، من ثورة بركان إلى تراتيل غدير، فمن أحضان الطبيعة تعلم الإنسان العربي كيف يكون إنسانا، كيف لا وهو منها وإليها، باتحاده معها سطر أجمل الكلم، ورسم أروع اللوحات، لازمت شعره ونثره وحله وترحاله، فخاطب الطبيعة بكل مكوناتها، بل كانت هي عنوانه، فهل هنالك أروع من وصف جبران للطبيعة حين قال: هل جلست العصر مثلي بين جفنات العنب/ والعناقيد تدلت كثريات الذهب/هل فرشت العشب ليلا وتلحفت الفضا / زاهدا فيما سيأتي ناسيا ما قد مضى. وكيف تفوتنا مواساة أبي الفراس الحمداني لحمامة زارت يوما نافذة سجنه فأنشد: أقول وقد ناحت بقربي حمامة/ أيا جارتا، هل تشعرين بحالي/ معاذ الهوى! ما ذقت طارقة النوى/ ولا خطرت منك الهموم ببالي، أو حيرة الأخطل الصغير وهو يقول: تَمر قفز غزالٍ بين الرصيف وبيني/ وما نصبت شباكي/ ولا أذنت لعيني، ولم تخل رسالة الغفران لأبي العلاء المعري من الطبيعة رغم أنه كان أعمى البصر، ولكنه لم يكن أعمى البصيرة، فماذا كان نصيبه في يومنا هذا؟ قطع رأسه!

وأكرر أين فقدنا "الجمال" أين فقدنا تواصلنا مع الطبيعة، كيف أفرغت الأرواح من الطبيعة لتتحول إلى أشرس أعدائها؟! كيف أصبحنا نقرأ عن تعديات على تاريخنا بالقطع أو التحطيم أو السرقة، كيف نتقبل بأن بيننا من يطلق الرصاص على رأسه.. على ذاكرته على جذوره، فيقتلها ويقتلنا معها! لماذا بتنا نشاهد مقاطع تعذيب البشر والحيوانات من قبل همج وبرابرة، كيف تمر علينا كل مدة قصة قتل من جراء التعذيب، والتعدي على الطفولة، والصدمة أنها من آباء وأمهات، أو من يدور في محورهم، كيف نقرأ عن حرق غابات والتعدي على محميات في مواسم الصيد وغيرها باستخدام أسلحة متطورة، ولا تتحرك الإنسانية بداخلنا!.

لقد قطعنا وبأيدينا جسور التواصل بين الإنسان ومعلمه الأول؛ الطبيعة! هجرناها للبناء والأسمنت المسلح، لم ندخلها إلى منازلنا إلا على استحياء للتجميل هنا أو المباهاة هناك، متى كانت آخر مرة أمسك بها أحدنا تربة من أرضه، من وطنه، من أمته؟! متى زرنا متحفا أو قرأنا قصيدة كاملة أو نثرا أو رواية؟ أين الأدب في مناهجنا، تمردنا على الجمال فانحدرت أخلاقنا بدءا من كلماتنا، وتعطلت لغة الجمال بدواخلنا ونخرت ثغرات الجهل والكراهية عباراتنا وطرق تواصلنا، بل تسللت الهمجية إلى إنسانيتنا... فأصبحنا أرواحا خاوية بلا ألحان، بلا ألوان! لقد وهبنا الرحمن أرقى مدرسة وأعظم مدرس وأروع كتاب، وكيف كانت ردة فعلنا لمثل هكذا نعمة؟ هل اتحدنا معها وسبحنا لعظمة خلقه؟ كلا، بل هدمنا المدرسة واغتلنا المدرس وأحرقنا المنهاج، وبدلا من أن نعترف ونفكر كيف نعود إليها، نتكبر ثم نتعالى ونتكبر، ثم نبدأ بتوجيه أصابع الاتهام في كل الاتجاهات إلا أنفسنا... إلا أنفسنا!.