هل فاجأني الخبر؟ أم أشعرني بالفجيعة والقشعريرة في بدني؟ أم هو حجم ما في الخبر من ألم إنساني أبكى قلبي كثيرا!؟ ذلك حين قرأت خبرا عن بعض المصلين في "محافظة العلا" تركوا خلف ظهورهم في المسجد وهم يولون أدبارهم جثمان طفل رضيع لا يتجاوز عمره الشهر، رافضين الصلاة عليه وحمله ودفنه!! متسائلين أيجوز أن يصلوا عليه أم لا؟! وذلك لأنه مجرد "طفل لقيط"! طفل هو عند الله أفضل، لأنه جاء ومعه صحيفة بيضاء منذ ولادته ورحل عن الحياة وصحيفته أيضا بيضاء، لم يُكلف بما كلفوا به، وكل ذنبه أنه خطيئة أبوين مجرمين أنجباه ورمياه بعد ذلك كي تنهشه قطط الشوارع ليموت في ظل قلوب لا ترحم ولا تسكنها رأفة أو رحمة فيعاقبانه بفعل أبويه!
إن الصلاة ليست مجرد أبدان تؤديها كعادة دون أن تتسلل مكونات كل فعل فيها إلينا ونشعر بكل قول نلفظ به ونتدبر كل آية نقرؤها ونسكن كل لحظة نعيشها داخل تلك الدقائق المعدودة ونحن نقف بين يد الرحمن، الصلاة ليست مجرد أبدان تتحرك دون أن يتسلل كل ذلك إلى داخل القلب فتسكنه الرحمة والرأفة والحكمة والأمل، فما فائدة صلاة لأبدان تصلي وقلوبها لا تُصلي؟ ما فائدة صلاة لا تنهى عن فحشاء ومنكر في قول وفعل؟! فالله تعالى ينظر إلى قلوبنا لا إلى أجسادنا ولا إلى صورنا كما قال وعلمنا سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
تساءلت وقلبي يبكي: أين هؤلاء عن رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك الجنين الذي جاءت أمه تطلب من الرسول عليه السلام تطهيرها من الزنا الذي اعترفت به وأن في أحشائها جنينا من فعلها، فجعلها تذهب لتنجبه ثم عادت تكرر الطلب، فردها حتى تفطمه بعد عامين ثم عادت وكان إصرارها وحده من جعله صلى الله عليه وسلم يؤدي حكم الله فيها، فهو في كل مرة يعطيها فرصة أن تذهب ولا تعود رحمة بطفل أنجبته كي لا يُحرم من أمه، ولكن من يتدبر قصصا كهذه ويتعلم منها؟ بل أين هؤلاء عن وقوفه صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي مرت به، وحين سأله أصحابه قال لهم: أليست نفسا! يا الله.. يا الله كيف ابتعد هؤلاء وأمثالهم عن جوهر الإسلام، ليشوهوا دين الله بفعلٍ جاهلٍ كهذا ينتظرون فيه فتوى! ألهذه الدرجة ما عادت القلوب تشعر!؟ فتحتاج أبدانها إلى فتوى كي تشعر بإنسانيتها، ألهذا الحد تعطلت العقول فتنتظر فتوى في أكلها وشربها وملبسها بل وحتى في علاقاتهم الزوجية؟
إن الدين جوهره السلام والرحمة والإحسان ومن لم يعرف من ذلك شيئا فكان الله في عونه وعون من حوله، وهذا الطفل الخطيئة الذي جاء أبيض الصحيفة بكل براءة هو حتما عند الله تعالى أفضل وأحسن من أبدان تصلي وقلوبها لا تصلي.