أثارت وفاة المناضل الفلسطيني، عرفات جرادات جراء التعذيب داخل السجون الإسرائيلية موجة غضب شديد في مختلف الأراضي المحتلة. وقد دفعت حالة الغضب هذه بعدد من القيادات في السلطة الفلسطينية للتهديد بإشعال انتفاضة فلسطينية جديدة في مواجهة الكيان الغاصب. وأعلنت حركة حماس، أنها لن تقف مكتوفة الأيدي، إذا ما واصل جنود الاحتلال ممارساتهم في تعذيب الأسرى الفلسطينيين، وأن لديها خططا جاهزة، سبق أن نفذتها، لاختطاف عدد من الجنود الإسرائيليين، ومبادلتهم بأسرى فلسطينيين. وهددت منظمتا الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، باتخاذ إجراءات مماثلة.

في هذا السياق، اتصل وزير الخارجية الأميركي، المعين أخيرا، جون كيري برئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية، أبو مازن مطالبا كليهما بالعمل على تهدئة الأوضاع، بالأراضي المحتلة. ويبدو أن الأوضاع مرشحة لانفجار شعبي واسع في الأراضي المحتلة.

ما يهمنا في هذا الحديث، ليست حادثة مصرع الشهيد جرادات، ولكن نتائجها السياسية، وتأثيراتها على مجرى النضال الفلسطيني، من أجل التحرير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

الإرهاب الصهيوني بحق المقاومين الفلسطينيين، أمر مألوف وحالة مستمرة، وهو من صلب المشروع الصهيوني، الذي قام على أساس إنكار وجود الشعب الفلسطيني، واقتلاعه من جذوره، بالنفي والتشريد أو بالقتل. وكان الاحتلال يتصدى دائما للمقاومين إما بالاغتيال والتصفية، كما حدث للعشرات من قيادات المقاومة الفلسطينية، عبر الخمسة عقود المنصرمة أو عن طريق الطرد أو القتل تحت التعذيب داخل المعتقلات والسجون الإسرائيلية.

بل إن الإسرائيليين، لا يترددون عن التبجح بممارساتهم الإرهابية والقمعية بحق الفلسطينيين، وآخرها صورة الجندي الإسرائيلي، التي برزت في مواقع التواصل الاجتماعي وهو يوجه فوهة بندقيته، صوب رأس طفل، كما أبرزها هو نفسه على حسابه الشخصي، بموقع الفيس بوك. وقد أدت هذه الجريمة ونشرها بشكل مفضوح ووقح، إلى إعلان السلطات الصهيونية، عن نيتها التحقيق مع هذا الجندي، لكن ملف القضية أغلق سريعا، ومعه تم إغلاق الحساب الشخصي على الفيس بوك للجندي المذكور، وهكذا أغلق ملف القضية. وفي حالات كثيرة، مشابهة لا ينال الجناة، من الجنود الصهاينة، بعد ثبوت جرائم التعذيب التي ارتكبوها، أكثر من أربعة عشر يوما في سجن مرفه، يعودون بعدها إلى مواقع عملهم بالجيش.

اللافت أن القضية الأخيرة، التي نشرت في المواقع الاجتماعية، وضحيتها طفل فلسطيني، لم تأخذ نصيبا من الغضب العربي، كما حدث سابقا للطفلة الفلسطينية، التي وجدت هائمة على ساحل البحر في قطاع غزة، بعد أن استشهد جميع أفراد عائلتها، تحت القصف الهمجي الإسرائيلي في الحرب الأخيرة.

يبرر الصهاينة، أعمال الإرهاب التي تصاعدت أخيرا، من قبل الجنود الإسرائيليين، بحق المدنيين الفلسطينيين بأن معظمها يرتكب من قبل جنود الاحتياط، وليس من قبل الجنود الذين يمتلكون ما يكفي من الخبرة القتالية، وحسن التصرف تجاه الشعب المحتل. لكن ذلك، من وجهة نظر المتابعين لتطور تشكيل وهياكل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، غير دقيق، ولا يعبر عن حقيقة الأمر. فغالبية الجنود الإسرائيليين، هم من الاحتياط، نتيجة لتركيبة المجتمع الإسرائيلي، ومحدودية عدد السكان.

الخطير فيما يجري بالأراضي المحتلة الآن، هو نجاح الصهاينة، في توجيه بوصلة الكفاح الفلسطيني، من مواصلة النضال، نحو تحقيق هدف التحرير وإقامة الدولة المستقلة، والعمل على وقف بناء المستوطنات الإسرائيلية التي يجري بناؤها بالأراضي المحتلة. لقد قضمت معظم أراضي الضفة الغربية ومدينة القدس، بحيث لم يتبق من الأراضي التي احتلت في نكسة حزيران عام 1967م، من القدس والضفة الغربية، سوى أقل من 47 في المائة، وهي الأراضي التي يفترض إقامة الدولة الفلسطينية المرتقبة فوقها.

وبالمثل، تراجع الحديث عن حق العودة، وبرزت مؤشرات على استعداد بعض القيادات الفلسطينية للتنازل عن هذا الحق. وإذا ما وضعنا في الاعتبار ما يجري من قضم سريع لأراضي الضفة ومدينة القدس، إما ببناء المستوطنات، أو من خلال المعابر والجدران العازلة، فإن قضية الحقوق الفلسطينية، برمتها، تتآكل بشكل سريع، بحيث لن يتبقى للفلسطينيين، في نهاية المطاف ما يمكنهم التفاوض بشأنه.

ينبغي أن تعتمد استراتيجية الكفاح الفلسطيني، بشكل متوازن، بالمرحلة القادمة على الربط بين مواجهة الإرهاب الصهيوني، وتفعيل مبادئ حقوق الإنسان، في ظل الاحتلال، وبين استكمال مهام التحرير، ورفع شأن المطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، والتأكيد على عروبة القدس.

لن يضير الصهاينة كثيرا انهماك الفلسطينيين بالتركيز على حقوق الإنسان الفلسطيني، تحت مظلة احتلالهم، وتغييب برنامجي التحرير والعودة. فمثل هذا الانهماك سيحقق جملة من الأهداف للصهاينة، أولها أن الخروقات الفاضحة لحقوق الإنسان، وتناولها في كبريات الصحف الإسرائيلية، وفي مقدمتها صحيفة معاريف، سيسهم في تكريس الادعاءات الإسرائيلية، بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة، بالشرق الأوسط بين محيط من دول الاستبداد. فحرية الصحافة والإعلام هي أبرز مظاهر الدولة الديمقراطية.

ومن جانب آخر، فإن الاهتمام العالمي، بالقضية الفلسطينية، سيتراجع أيضا، ويتحول إلى اهتمام بحقوق الفلسطينيين، وإدانة انتهاكات الإسرائيليين، لهذه الحقوق. وفي مناخات كهذه يصبح الاحتلال، وكأنه أمر مسلم به، ومقبول من العالم أجمع، بما في ذلك الفلسطينيون أنفسهم. ويصبح التوجه إلى تحسين أحوال الفلسطينيين في ظل الاحتلال، وليس العمل على طرد الصهاينة عن الأراضي الفلسطينية. ينبغي إعادة الاعتبار لمشروع التحرير، التي شرطها الأول القبول بمقاومة الاحتلال، باعتبارها حقا مشروعا وليس ممارسة للإرهاب، والمطالبة بموقف دولي حاسم، يفرض على الصهاينة التوقف الفوري عن بناء المستوطنات.

وما لم يتم تحقيق التوازن في برنامج الكفاح الفلسطيني، بحيث يتحقق الحضور لجل عناصره، فإن جميع الحقوق الفلسطينية، دون استثناء مهددة بالتآكل، والقضية ذاتها مهددة بالانقراض.