الكتاب والثقافة هما المفتاح الأهم في منظومة التعليم الحديث والقديم، إذ يُعد الكتاب من منظور الكل الأممي الركن الأكثر أهمية، حتى قيل عنه الصديق الأقرب والجليس الأفضل، كما وصفه المتنبي "أعز مكان في الدنا سرج سابح.. وخير جليس في الزمان كتاب"، فقد تمكن الكتاب من حفظ فتوحات الأقدمين العلمية، ونقل أطروحاتهم على اختلافها إلينا. وتأتي التراكمات المعرفية لتصنع الثقافات، وتظهر الأطروحات وما يترتب عليها. وكلما تذكرت أننا من خلال حواراتنا المتتالية مع أسطر الكتب، قد نجحنا في فك رموز العديد من المبهمات، من خلال تحويل مفهوم الكيف إلى المفهوم الكمي، لنقيس بنجاح منقطع النظير كيفية الظواهر بالكمية الرقمية، وليتحول العالم إلى أرقام ذكية، فتحت لنا أسرار الألغاز التي ظلت دفينة الغيب لعصور طويلة، وقرر العلماء تحويل الكيفية الحرارية إلى كمية رقمية، وتحولت مناسيب ضغط الدم، ومرض السكري، وانتشار الأورام، وارتفاع الجبال واليابسة عموماً عن سطح البحار، إلى نسب رقمية تمكنا في النهاية من السيطرة عليها إلى مدىً بعيد جداً، تذكرت فضل الكتاب والثقافة اللذين منحانا فرصة سانحة وحقيقية لنبني استنتاجاتنا على قواعد مهدت لنا الطريق بشكل جيد لفهم العالم والحياة والطبيعة بشكل أفضل وأكثر سهولة.
اليوم الخميس تختتم أيام معرض الكتاب الثالث بمنطقة جازان، بعد أن احتفلت في الأيام الماضية مع كثير من الأصدقاء الإعلاميين والمثقفين عبر المملكة العربية السعودية، بالمعرض الذي استضافته المنطقة ممثلة بجامعتها الفتية (جامعة جازان) وموسمها الثقافي السادس، والذي افتتحه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن ناصر أمير منطقة جازان، في حفل بهيج أعلن سموه خلاله عن الحاجة إلى التواصل مع الكتّاب والمثقفين وأهمية ذلك، وانعكاسه على الفكر والحياة الاجتماعية وعياً وسلوكاً. لقد كان سمو الأمير محقاً وذكياً وهو يقول ذلك، ويوصي باستمرارية استضافة مثل هذه الأنشطة التنويرية التوعوية، بل ويتعهد بدعمها أيضاً.
وكان مما زاد من سعادتي أن أشاهد ضيوف جازان يتوافدون إليها من كل المناطق السعودية، لحضور موسمها الثقافي السادس ومعرض الكتاب الثالث الذي تُقيمه، والذي شارك فيه سبعون دار نشر من مختلف أنحاء العالم، وكان مدهشاً أن تشاهد إقبال الناس رجالاً ونساء على أروقة المعرض وأقسامه وكتبه.
إن ما تقدمه هذه الجامعة الوليدة (جامعة جازان)، التي بدأت تقطع أشواطاً جيدة على مستويات كبيرة في فترة وجيزة ممتع ومدهش، فهذه الجامعة قد صنعت فارقاً نوعياً على مستوى المنطقة بأكملها، وأسست لتاريخ جازان الجديد دون مبالغة، فبالإضافة إلى كونها تحظى بكادر عمادة مميزة يترأسها - من أسميه أنا شخصياً – "بالرجل المميز" معالي الدكتور (محمد بن علي آل هيازع)، تقدم هذه الجامعة نوعاً جديداً من السلوك التعليمي المعتمد على التطبيق والممارسة. ولقد شاهدت طلاب الجامعة يمارسون ذاك تطبيقياً وهم يمتلكون زمام الأمور على المسرح، ولم أشاهد عميدها أو منسوبيها من الكادر الإداري أو التعليمي ممسكاً حتى ولو بأصغر (مايكرفون)، وهذه إشارة كافية لتأخذ فكرتك الخاصة عن حجم وقوة الثقة بين المسؤولين في الجامعة وكوادرها وطلابها. لقد كان هناك من التنظيم المثالي، الذي يُحسب قطعاً لكل فرد شارك في هذه التظاهرة، ما يحكي عن حقيقة التوجه التعليمي في الجامعة. وقد كان لذلك انعكاساته التي جعلت أمير المنطقة يُعلن عما أعتبره أهم مكاسب شباب منطقة جازان، والذي تمثل في إنشاء (مجلس شباب جازان)، وهو المجلس الذي سيعمل كمجلس استشاري، ينقل إلى المسؤول مباشرة الاحتياج الاجتماعي الشبابي ورؤيته للمستقبل، ويمكن له مستقبلاً حضور فعاليات وجلسات مجلس المنطقة. هذه الطرح الطموح والقوي الذي صاحب فعاليات الموسم الثقافي ومعرض الكتاب الثالث بالمنطقة، لا يُعبر إلا عن واقع تأثير حقيقي تعيشه منطقة جازان، نتيجة الاحتفاء بالجوانب الثقافية والتثقيفية الاجتماعية، والاهتمام برفع مقدرة وذكاء الشارع الاجتماعي عند الأفراد حالياً ومستقبلاً، ليسير المجتمع على الأقل برتم ووتيرة سريعين، لتحقيق معدلات نمو جيدة تواكب التغيير الذي تعيشه المنطقة الآن، وكذا في السنوات العشر المقبلة، بعد أن شهدت العشر الماضية طفرة تنموية هائلة على مستوى البنى التحتية والاقتصادية. وإن التوجه الظاهر حالياً على السطح هو التركيز على رفع مستوى التنمية الفكري والتعليمي، وهو ما تكرسه الاستضافات المتلاحقة للمواسم والفعاليات الثقافية ومعارض الكتاب، والندوات الثقافية والعلمية. وهذه في رأيي شراكة اجتماعية فاخرة تُحسب لكل الأطراف المعنية بهذا الحدث الثقافي والاجتماعي.