لا يمكن العثور على معنى لها في القاموس. الناس الذين يعيشون في البلد يعرفون معنى بعض العبارات، لكن من الصعب ترجمتها. من بين هذه العبارات "أخوند إنجليزي" التي تعني تقريبا "الملا البريطاني!" قد لا تعني هذه العبارة شيئا لغير الإيرانيين، أما في إيران فهي تعني الكثير.
ملا بريطاني، خادم بريطاني، خادم للاستعمار، جميع هذه العبارات لها معنى واحد: الاختراق!
ولكن ما علاقة هؤلاء الذين تطلق عليهم هذه التسميات ببريطانيا في القرن الـ21؟ لا شيء حقيقة، كل ما في الأمر هو أنه تتم الإشارة إلى تاريخ المنطقة حين تمكن المستعمرون البريطانيون من استغلال السكان المحليين لتحقيق غاياتهم. ومع أن البريطانيين تركوا المنطقة، لكنهم تركوا فيها أيضا ما يكفي من المشاكل. مشاكل الحدود بين إيران والإمارات، وبين العراق والكويت، والأخطر من هذا كله زرع إسرائيل في قلب العالم العربي.
رحل البريطانيون إذا، لكن ما بقي من المشاكل الحدودية والحقد في المنطقة يؤثر عليها بشكل مستمر. وكذلك بقيت المصطلحات والمقارنات. عبارة "أخوند إنجليزي" التي ذكرتها استخدمها حجة نازاري، وهو ابن شهيد معروف، لوصف أحد خصومه، شيخ مهدي طيب. الشيخ مهدي، وهو زعيم تنظيم إيراني، قال في طهران مؤخرا: "إذا هاجمنا العدو، وعلينا الخيار بين سورية وخوزستان، فإن أولويتنا أن نحتفظ بسورية، ونترك خوزستان".
الشيخ مهدي طيب رجل دين معروف بتشدده، وهو الشقيق الأصغر لحسين طيب، مدير استخبارات الحرس الثوري. وقد أثار حديثه حول أهمية سورية أكثر من خوزستان غضب كثير من الإيرانيين، خاصة الذين يعيشون في تلك المنطقة من جنوب إيران.
لسوء الحظ فإن جميع منابر البلد ومنتدياتها في أيادي أشخاص محددين، ولا يملك الشعب أي مجال للتعبير عن رأيه في مثل هذه المنابر والمنتديات، وإلا لكان الشيخ طيب رأى كيف أن الشعب الإيراني يقف صفا واحدا ضد رأيه في مثل هذه التصريحات التي تذكر بما كان يقوله عملاء المستعمرين الذين كانوا يحاولون طوال الوقت زرع الفرقة بين أبناء الأعراق والأديان المختلفة، لهذا السبب يطلق الإيرانيون الآن لقب "ملا إنجليزي" على الشيخ حسين طيب.
لو كان القضاء في إيران مستقلا حقيقة، كما يدعي آية الله لاريجاني، لكان أصدر أمرا بمحاكمة الشيخ طيب بسبب تعليقاته المعيبة.
ومع أن العثور على مثال حي لصفة "أخوند إنجليزي" كان صعبا عندما كنت صغيرة، إلا أن الإنترنت مليئة الآن بالتذمر من الشيخ طيب وتصريحاته. ربما نسي الشيخ أنه لولا وجود هؤلاء الناس لما كان الآن هو نفسه في طهران اليوم. شعب خوزستان حمى إيران بدمائه وتضحياته من صدام حسين. وإيران "التي يتمناها كل الإيرانيين" هي تلك التي تعيش بسلام مع جيرانها، والتي يستفيد جميع أبنائها من إنجازاتها العظيمة، والتي يحترم فيها رجال الدولة ورجال الدين أبناء الشعب من جميع الأطياف والمناطق والأعراق.
خلال زيارتي الأخيرة إلى مصر لتغطية قمة منظمة المؤتمر الإسلامي، أتيحت لي فرصة التحدث مع مساعدي الرئيس محمود أحمدي نجاد حول قصر نظر بعض الإيرانيين، خاصة بعض مؤيدي النظام. أحد مساعدي أحمدي نجاد، والذي لا أستطيع ذكر اسمه، بناء على رغبته، قال لي "إن الجهل بين مثل هؤلاء المتطرفين هو أحد القضايا التي يصعب على الرئيس وإدارته التعامل معها. وأعطاني مثالا بأن بعض أعضاء الباسيج والحرس الثوري لا يقرؤون سوى منشوراتهم الداخلية. هذه المنشورات ليست صحيحة دائما وقد لا تنقل الحقائق. ومع ذلك فإنهم يقرؤونها ويصدقونها ولا يملكون الشجاعة الكافية لقرءاة مصادر أخرى ومن ثم الحكم على الوقائع بأنفسهم. إنهم سطحيون تماما"!
استنادا إلى ما قاله لي هذا المسؤول، يمكننا أن نفهم أكثر لماذا يمكن لعناصر الباسيج أن ينزلوا إلى الشوارع ويضربوا الشباب المطالبين بالديموقراطية أو يهاجموا السفارة البريطانية في طهران. هم مثل آلات بدون مشاعر أو عقول يستخدمونها لفهم المعلومات التي تصلهم. ومن سوء الحظ أننا نرى بعض رجال الدين المتطرفين يستغلون الناس البسطاء لتحقيق أهدافهم التي خططوا لها.
من ناحية ثانية، بعض رجال الدين الإيرانيين مغرمون بكل ما يتعلق ببريطانيا! عندما يريدون أن يجروا فحصا طبيا أو يتسوقوا أو يقضوا إجازة خاصة أو يرسلوا أبناءهم إلى الخارج ليتعلموا فإن خيارهم الأول هو إنجلترا. وعندما يريد أحدهم أو أحد مساعديهم أن يهرب ويحصل على ملاذ آمن لسبب ما فإن التوجه الأول هو إنجلترا، بل إن بعض الإيرانيين وصل بهم الأمر أنهم يعتقدون أن بريطانيا هي التي قامت بالثورة وصنعت من الخميني ذلك القائد العظيم. عندما لم تكن هناك شبكة إنترنت أو قنوات فضائية، كان راديو BBC الناطق بالفارسية يوفر لآية الله الخميني منصة يتحدث من خلالها وينقل ما يريد لمؤيديه في إيران.
إن رجال الدين، سواء كانوا يعرفون ذلك أم لا يعرفون، مدينون بالكثير الكثير لبريطانيا بشكل عام ولإعلامها بشكل خاص.