بحوزتي من الورق "الرسمي" كل براهين هاتين القضيتين لثلاثة من المواطنين على طاولة القضاء. في القصة الأولى: أم تذهب إلى القاضي كي تترافع عن حقوق أرض لأطفالها الأيتام برفقة محرمها "ابن اختها". يقول له القاضي: "لو كان فيك خير ما أدخلت خالتك للمحكمة"، فأجابه الشاب: هي تبحث عن حق شريف ونظام القضاء يكفل لها حق المرافعة. وبالطبع، لم يعجب صاحب الفضيلة هذا الحزم في الجواب، وبأمر القاضي ذاته، ذهب الشاب "مخفورا" إلى التوقيف يومين، وبأمر فوري. وفي الجلسة ذاتها يطلب القاضي ذاته من المرأة ذاتها إثبات الهوية، فوضعت على طاولته "بطاقة الهوية الوطنية". ولأن صاحب الفضيلة يرى في البطاقة الوطنية لامرأة "بالصورة" مدخلا للشك، فقد رفض الإثبات، وحين ردت عليه المرأة: هذه البطاقة أعطاني إياها "بن سعود"، ولك أن تعترض على الدولة لا عليّ. ومباشرة أصدر القاضي أمره بتوقيفها ليوم واحد، لأنها تجرأت على المرافعة بجملة واحدة.

في حالة أخرى؛ أمام القاضي ذاته يذهب مواطن آخر إلى التوقيف، لأنه وضع رجليه على بعضهما البعض في سهو شارد أمام الطاولة، وفي القصتين تقول الأوراق ذاتها: إن المرأة تطارد جلساتها منذ أربع سنين، فيما المواطن الآخر يدخل العام السابع لقضية على الطاولة نفسها، وفي المقابل، فإن "التوقيف" الفوري لا يحتاج ألا لبضع دقائق.

وكل الأسئلة المشرعة، من خراج هذه القصص لن تلغي الحقيقة، وهي أن في جهاز القضاء من العقلاء ما يجعل هذه القصص نشازا، ولكنه النشاز الذي يسيء إلى المجموع. كيف يمكن لك أن تطمئن إلى نظام مرافعات بحرية مطلقة للقاضي الذي قد يرى في دخول المرأة إلى المحكمة شبهة، رغم أنها نصف السكان، ونصف قضايا المجتمع؟

كيف لك أن تطمئن في ظل أمر فوري بالتوقيف في أي لحظة، وبلا قيود، لامرأة تخرج من حقيبتها بطاقة الهوية الوطنية الصادرة من الجهاز الرسمي للدولة؟ حتى "شبهة التطاول على مقام القضاء" في الأنظمة القضائية لا تتم بهذه الطريقة، إذ يفترض أن تتحول إلى قضية أخرى، لمرافعة أخرى، أمام قاض آخر للفصل فيها.

أوامر التوقيف المباشرة إلى غرف السجون المفتوحة بأمر شفهي تهز هيبة القضاء، بدلا من أن تدعم آلياته وإجراءاته. وفي غياب تنظيم كل دقائق المرافعات القضائية، لتعرف كل الأطراف ما لها وما عليها من الحقوق والواجبات، سيبقى القضاء مجرد "ثقافة شفهية".