من الله علي أنني محاط بعدد من الأصدقاء الأطباء ذوي التخصصات الدقيقة والمراكز المرموقة في قطاعات عملهم. بحكم اختلاطي بهم فإنني استمع لبعض همومهم ومعاناتهم في هذا القطاع الحيوي، وبحكم "آدميتي" المعرضة للمرض وللحاجة للرعاية الصحية فإنني استعين بهم لاختصار أشهر الانتظار على عياداتهم و"أستغل" ذلك للحصول على أولوية الرعاية مقارنة بغيري.
استغلالا لهذه العلاقة بيني وبين هؤلاء الأصدقاء الذين أفتخر بكونهم من أبناء وطني، أود أن أكتب لأصدقائي الأطباء رسالة، لكنني لن أكتب هذه الرسالة على اعتبار أني صديق لهم، بل هي رسالة من مريض وهو يكتبها لأطباء لا تربطه بهم علاقة، وبالتالي لا أنال الاهتمام ذاته والأولوية التي أنالها في العادة عندما يشرف على علاجي أحد أصدقائي هؤلاء.
تعبيري هنا بعبارة "صديقي الطبيب" لا تعني أصدقائي الحقيقيين وإنما أعني بها كل طبيب سعودي يحمل أرقى وأهم وسام وهو وسام "الطبيب".
حين يشرف على علاجي أي طبيب، فإنه يتحول بالنسبة لي من صديق خاص (إن كان بيني وبينه علاقة خاصة) إلى "المخلص" و"المنقذ" و"نافذة الأمل" و"كل ما يمكن أن تبالغ وتنفخ في صورته الأرقام والحروف لبيان معنى التعلق بالطبيب". أسلم عقلي له فأقدم فكرته عني على فكرتي أنا "بحق ذاتي"، وأضع روحي أمانة بين يديه فقبل أن أوافق أو أرفض، أنظر هل مر القرار عليه أم لا!! لست أنا فقط من ينظر إليك يا صديقي الطبيب هكذا، وإنما كل هؤلاء المرضى الذين تعالجهم ينظرون إليك هكذا، لهذا فإنه مؤلم جداً وصادم جداً أن يرى منك المريض أنك تعامله على أنه ملف طبي تقلب أوراقه لترى أنت ما تريد أن تراه وتقضي فيه ما أنت قاض، ثم تمضي دون حتى أن تكلف نفسك عناء أن تنظر كيف طويت الملف. العادة الخامسة من العادات السبع للناس الأكثر فعالية هي "استمع"، وأنت ياصديقي الطبيب تريد أن تستعرض عضلاتك الفكرية ومعلوماتك الطبية أمام فريق العمل الذي يحيط بك فتختصر وتتحدث معهم بلغة لا نفهمها ثم توجه الحديث إلي بصيغة السؤال معتبرا أنك استمعت! أنت لم تستمع سوى لنفسك يا صديقي الطبيب، ولم تستمع إلي. ستعتذر وتقول إن لديك من الحالات ما الله به عليم ولو استمعت لكل حالة لما انتهيت!! سأقول لك يا صديقي الطبيب إنه سوء إدارة الوقت وليس ضيق الوقت ذاك الذي جعل الطب في المملكة من حيث المستوى لا يزيد كثيرا عن مستوى المنتخب في اتحاد الفيفا!! أنت أصبحت يا صديقي الطبيب تستعجل عملك الحكومي والأكاديمي حتى تنتهي من مرضاك مع صافرة النهاية لتجري كالغزال إلى حيث المال والوفرة. فلا أنت أدرت وقتك بنجاح ولا خدمت وظيفتك الحكومية ولا خدمت الطب ولا بلدك بمزيد من الأبحاث والتطوير. إنك تراكم الصدأ على نفسك من أجل المال حالما بالمزيد من الرفاهية. نصيحتي لك خذ قرارك الشجاع واترك الجامعة أو العمل الحكومي لمن يريدهما وانتقل إلى حيث وعدت بتلك المرتبات الخيالية بكل ما يستتبعه ذلك من مخاطر!! أو دع أحلامك الوردية والتزم بعملك الذي أقسمت عليه يمينا غموسا لا أرى مستوى أدائك ينجيك منه.
يا صديقي الطبيب تدعي أنك تضحي، وأنك تعاني ثم ما تلبس أن تنزع أصبعك السبابة وتشير إلى الوزارة وإلى سوء أدائها، لكن هل سألت نفسك ماذا سيكون حال الوزير والوزارة لوكان لهما رجال؟ ماذا لو تطوع كل واحد منكم ياصديقي الطبيب ليعالج أسبوعا واحداً من كل شهر أو حتى كل ثلاثة أشهر في إحدى القرى النائية أو حتى المراكز والمحافظات الأقل حظا من غيرها!! أووه نسيت أنك ستقول لي إن عملك في القطاع الخاص لايترك لك فسحة من الوقت!! (أعرف طبيبا تطوع للعمل عدة أشهر في إحدى القرى رغم عمله في القطاع الخاص، أرفع له القبعة)، للمعلومية فقط حين حصل تسونامي اليابان وكاد المفاعل النووي أن يسبب الكارثة لم يصلح الموضوع ويعيد الأمر إلى نصابه سوى خمسة مهندسين تطوعوا للموت من أجل اليابان؛ بعد أن أفهموا دولتهم أنهم متقدمون في السن وأنهم لو أصيبوا بأي أعراض ناتجة عن الاشعاع النووي فسيكونون قد عاشوا معدلا طبيعيا للعمر!! ففعلوا دون أن يتحصلوا على أجر. هكذا تقوم الدول! بكيف نعطيها يا صديقي الطبيب لا كيف نعطيها ونبرر لأنفسنا ألا نعطيها سوى النزر اليسير!!
ليس العمل في القطاع الخاص سبب تدني مستوى الخدمات الطبية الحكومية الأوحد أو أنه سبب يعم الجميع، فمن أصدقائي الأطباء الذين يعملون دواما جزئيا في القطاع الخاص من يؤدي عمله باقتدار في القطاعين، بل إن أحدهم أنشأ كرسيا للدراسات واستطاع أن يطور هذا الكرسي إلى مركز حكومي في مجال اختصاصه يحمل اسم خادم الحرمين. حاولت أن أضع نفسي مكانك يا صديقي الطبيب لأرى ماذا كنت سأفعل!! وجدت أنني سأكون مضطرا للعمل في القطاع الخاص مثلك!! ووجدت أن اللوم حينها لن يكون علي! بل سيكون على وزارة الصحة ووزارة التعليم العالي ووزارة الخدمة المدنية! إذ كيف يمكن لطبيب استشاري أفنى زهرة شبابه في الدراسة والتعلم أن يعمل في وظيفةٍ المفترض بصاحبها أن يخدم مرضاه من خلالها وهو مرتاح البال، وفي ذات الوقت لايستطيع هذا الطبيب بمرتبه الحكومي أن يمتلك بيتا ولا أن يوفر حاجات بيته بالشكل الذي يريد فيداهمه ثقل أعباء العمل وثقل أعباء الحياة ولامنقذ له سوى ذلك الدخل الذي قد يبلغ أضعاف دخله الحكومي الذي يوفره له العمل الجزئي في القطاع الخاص!! حين وضعت نفسي مكانك وجدت أني لن آخذ بالنصيحة التي نصحتك إياها في أول المقال ولن أستقيل من عملي الحكومي ولن أرمي بثقلي في أحضان القطاع الخاص وأنا أعلم كم الضغوط التي يعانيها صديقي الطبيب هناك ليقوم ب"حلب" المريض إلى آخر قطرة بأمر المستشفى الذي يهتم أولا وثانيا وثالثا بالدخل ثم بالمريض والشواهد على ذلك كثر.
ياصديقي الطبيب أعانك الله على مسؤوليتك وأعانك الله على ما تعانيه وأعان الله مرضاك على عدم تكامل الخدمة بل وقصورها وإن بذلت روحك لذلك فأنت ترس في منظومة أتراس تدور حول التقصير.
أكتب لكم يا أصدقائي من على السرير الأبيض في ظل رعاية بعضكم، عرفانا مني بالجميل وإقرارا به، وموقنا أن كثيرا من أصدقائي الأطباء قد يقطع عني معونته، لكن لكم أن تكسروا المرآة حين تصدق معكم أو تعدلوا صورتكم أو تبقوها.