في وضع بالغ التعقيد، وفي منطقة تضطرب بالصراعات، وتعيد تشكيل نفسها، أو يعاد تشكيلها وفق لعبة المصالح الدولية، وفي ظل اضطراب في العلاقة الغربية الإيرانية وصلت إلى درجة فرض عقوبات إضافية على طهران، ومع تلكؤ إسرائيلي يتخفى بالمحادثات المباشرة التي تضغط من أجلها واشنطن المحبطة ليس من الشرق أوسطيين بل حتى من وضع جيشها في أفغانستان، ومع استمرار الجمود في العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية الذين لا تراد لهم وحدة وطنية ولا انسجام سياسي، وعلى أصداء تهديدات حسن نصر الله بحرب لبنانية داخلية ضد الناس في بيروت إذا وجهت المحكمة الدولية اتهاما ( ظنيا ) لأي من منسوبي حزبه، وعلى وقع قرع الحوثيين للسلاح في شمال اليمن، وكذا تعقد الموقف السياسي في بغداد حيث تتعرقل عملية تشكيل الحكومة العراقية، في ظل كل هذه الأحداث التي تشكل في مجموعها إرباكا للموقف الاستراتيجي في الشرق الأوسط انطلقت الجولة السياسية العربية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لأربع دول مهمة على الخريطة السياسية في الشرق الأوسط.

فتحت الجولة كوة أمل وسط كومة من الإحباطات السياسية لجميع الأطراف في المنطقة، فتشبث العرب بزيارة الزعيم العربي الصادق في وعده والنبيل في موقفه والمتسامي فوق جروحه. ورغم أن الأخلاق لا تفعل دوما فعلها في السياسة إلا أن أخلاق الساسة أنفسهم هي جزء من فروسيتهم وصدقيتهم التي يبنى عليها واقع الحال.

بدأت جولة الأمل العربي من المدينة التي يمكن تسميتها بمدينة صناع السلام نسبة إلى مؤتمر السلام الذي عقد فيها عام 2004 ، وما تلاه من مؤتمرات عربية وإقليمية ودولية حول الأوضاع في المنطقة، وخاصة في فلسطين والعراق. وقد اختارت القيادة المصرية شرم الشيخ مكانا للقمة السعودية ـ المصرية رغم إقامة الرئيس المصري محمد حسني مبارك في القاهرة، حيث وصل شرم الشيخ قبل وصول خادم الحرمين بسويعات، ولا يعرف سبب هذا الاختيار، وإن كانت له دلالة سياسية أو غيرها. عقدت القمة بين الزعيمين في أجواء اتسمت بالحميمية كعادة اللقاءات المصرية ـ السعودية، ونوقشت فيها جل القضايا الملحة في المنطقة. ومن أبرزها عملية السلام والمحادثات المباشرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، حيث كان المجلس الوزاري للجامعة قد اتخذ قرارا بالموافقة على دخول السلطة في مفاوضات مباشرة مع تل أبيب، سدا لذرائع إسرائيل التي تحاجج بها واشنطن.

بدا الرئيس المصري في المحادثات وخلال مصافحته لرؤساء تحرير الصحف السعودية بعيد القمة في كامل عافيته، وخلال حفل العشاء الذي أقيم على شرف الملك تبادل الناطق باسم الرئاسة المصرية سليمان عواد الحديث مع رؤساء تحرير الصحف السعودية الذين كانوا معه على الطاولة، ومنها "الوطن"، وأكد توافق المواقف السعودية ـ المصرية، مشيرا إلى أن القمة ركزت على الأوضاع الفلسطينية واللبنانية والعراقية. وسألته عن العلاقات السورية ـ المصرية فألمح إلى أن ما يعيقها هو التباين الكبير في المواقف السياسية، ولم ينس وهو يتحدث إلى صحفيين أن يلخص بعض ما قالته الصحف السورية بحق مصر. وبسؤالي له عما يردده محللون في بعض الصحف اللبنانية القريبة من المعارضة حول تباين في الموقفين السعودي والمصري تجاه الأوضاع في بيروت، حتى إن الخيال السياسي لدى البعض كان قد وصل إلى القول بوجود تيارات داخل حزب المستقبل موالية للسعودية، وأخرى موالية لمصر، نفى المسؤول المصري ذلك وشكك في مصداقية بعض الصحف اللبنانية المسيسة ذات الأجندة.

كانت قمة شرم الشيخ بمثابة قمة تشاورية لتعزيز التفاهم الموجود أصلا بين الرياض والقاهرة، حيث وضع الملك عبدالله بن عبدالعزيز الرئيس المصري في صورة مبادرته مع دمشق لتطويق القلق اللبناني، كما شرح الرئيس مبارك للملك آخر تطورات الوضع الفلسطيني، وجهود مصر للمصالحة بين فتح وحماس، والمفاوضات بين رام الله وتل أبيب، التي دعمتها الجامعة العربية بمباركة سعودية ـ مصرية، لكن دمشق عارضت قرار الجامعة باعتباره يعطي إسرائيل دون مقابل منها باعتبار شكل المفاوضات هي في الأساس جزء من الصفقة كما ترى دمشق البارعة في المساومات السياسية. لكن المؤيدين للمفاوضات المباشرة يرون في الموافقة على المفاوضات تسليفة سياسية لواشنطن لا بد أن يكون لها ثمن على أرض الواقع بتقدم واضح في مسيرة السلام عبر ضغط أمريكي أو بابتعاد الولايات المتحدة عن الموقف الإسرائيلي.

المهم في هذا الموقف أن الرياض وهي تتفق مع القاهرة أو تتناقض مع الرؤية السورية في هذا المفصل تحتفظ بجسور قوية مع الدولتين، وهو ما تحاول الدبلوماسية السعودية توظيفه لصالح صيانة الموقف السياسي العربي، سعيا إلى تعديل الوضع الاستراتيجي المختل حاليا. حيث يتطلب ذلك تغييرا في موازين القوى، لكن أيضا بحكمة الزعماء التاريخيين القادرين على تغيير وجهة التاريخ مثلما يفعل الملك عبدالله بن عبدالعزيز.