حين حاضر مالك بن نبي عن هزيمة عام 1967م المنكرة قال ونحن متعجبون مما يقول، لقد انعقدت مائدة مستديرة حول تحليل ما حدث في باريس، ووصل النقاش إلى تحديد الهزيمة أنها حضارية، قبل أن تكون عسكرية؟

قلنا في أنفسنا يومها نحن فئران تجربة غائبون عن العصر والعنتريات الناصرية لم تنفعنا بشيء؟

بعدها حدث العجيب من استقالة عبد الناصر وخروج الجماهير المسطحة تبكي وهي تقول نرجوك أن تبقى على ظهورنا إلى يوم القيامة بعد أن فشل في الامتحان؟

ومضى المفكر الجزائري يومها في التحليل عن بنية الطفل النفسية، وأنها تمر في ثلاث مراحل في ثلاثة عوالم؛ عالم الأشياء ثم الأشخاص ثم الأفكار المجردة.

ونقل هذه الأفكار إلى المجتمع العربي، وأن العرب صرخوا يوم الهزيمة مثل الصبيان غير الراشدين يستنجدون العالم.

ومضى الرجل أي ابن نبي يحاول مسترشدا تحليل نضج أي مجتمع، ومتى يرشد؟ أم مازال في المهد صبيا؟

وقال إن الطفل يمر فيما يعرفه الطب بالتطور الروحي الحركي، فهو أي الطفل يتقلب ثم يحبو ثم يقف ثم يمشي قبل أن ينطق، وفي المرحلة الأولى لايفرق بين الرضاعة وثدي أمه، ثم لايفرق بين أبيه وعمه، قبل أن تبدأ المجردات في التشكل في دماغه.

والله يصف الطفل فيقول إنه أخرجنا من بطون أمهاتنا لانعلم شيئا، ثم جعل لنا الأبصار والسمع والأفئدة أي قدرة الإدراك.

ولعل أفضل من درس نمو الطفل هو عالم النفس الارتقائي جان بياجيه، الذي قام بالدراسة النفسية مستعينا بأدوات علم النفس في فهم تطور الإنسان من خلال مراقبة أطفاله الثلاثة في المنزل وكيف تنمو إدراكاتهم للعالم.

بنفس الطريقة قام إيريكسون بدراسة ما سماها أزمات الارتقاء الثمانية إن صح تعبير الأزمة، ولكنه يقول إن الطفل يمر طورا عن طور بمراحل خطيرة أثناء تشكل شخصيته، مثل الثقة في العالم من عدمها، والمبادأة من الانكماش، والثقة بالنفس من تداعيها.

ومما انتبه له جان بياجيه السويسري الذي أسس فرعا كاملا في علم النفس الجديد هو علم نفس الطفل الارتقائي، فقال إن قدرة التجريد لا تصل عند الطفل إلا في سن السابعة، فلو وضعت أمامه أحجام مختلفة من الحاويات، ثم ملئت بالماء لم يربط بين تباين الحجم واعتبر أن السوية الواحدة تعني كمية متساوية من الماء ولو كان الأول أنبوبا والثاني برميلا، وقدرة التجريد تبدأ عند الطفل بالتفريق والاستيعاب مع دخول المدرسة فيعرف أن الحجم شيء مختلف عن ارتفاع مستوى الماء.

ومما عرف عن اللغة ونموها عند الطفل الشيء العجيب أنها تمر أيضا في ثلاثة منعرجات طبقا عن طبق من اللغة السيميائية وهي لغة الإشارات فيفرق الطفل بين غضب والديه من رضاهما بدون كلمة واحدة بل بالتكشيرة والابتسامة، وهي تبقى ملازمة لنا فنفهم أن من يسلم علينا أحيانا يقول وعليكم السلام وكأنه يقول عليكم السام واللعنة؟ ثم يدخل في مرحلة لغة الصوت، وهي أيضا غير شفافة تماما، وأخيرا يدخل المدرسة فيتعلم اللغة المكتوبة، وهي ظلمة فوق الظلمات، ولذا يجيد كثير من السياسيين الكذابين التلاعب بالكلمات وإقصاء الحقائق، ولعل أشهر مدرسة تتلاعب بالكلمات حاليا هي مدرسة الشحرور الشامي الذي خرج علينا بموضة أخيرة تقول إن ملك اليمين الحلال هو الاتصال الجنسي لأي شاب بأي فتاة بشرط ألا تكون متزوجة وبشكل سري؟