لا نستطيع إنكار أن كل شيء في العالم قد جاء نتيجة فكرة، وأن العالم سيستمر بوجودها، وسيحدد تقدمه أو تأخره بناء على نسبة صواب وخطأ الفكرة، وحجم الاحتياج الذي يبعثها، وأزعم أن الفكرة ما هي إلا تمرد ناجح على حيثيات الزمان والمكان، وأُعدها "فكريا" أعلى مراتب تفاعل العقل البشري مع الموجودات، وتلبية لنداء الاحتياج الطبيعي لإتمام التكامل بين الأشياء. فالعقل صفة حسية وليس مكونا ماديا ملموسا، وتفاعل العقل مع الاحتياج يرتب لتخلق الفكرة، التي يمكن أن تكون خلاقة على مستوى الفائدة الإنسانية أو سلبية كذلك. والفكرة في الواقع إضاءة خاطفة تأتي من وهج المستقبل، وترتبط بالماضي على خلفية الاستنتاج والاستفادة من التجربة وتراكماتها الايجابية والسلبية، وترتبط بالحاضر والمستقبل من منظور الاحتياج والاستعداد. وليس بالضرورة أن يكون ناتج فكرة ما صحيحا، إذ إن النواتج الخاطئة هي إجابات أيضا لكنها غير موفقة فقط، وهي كذلك محصلة معرفية نتيجة تطبيق فكرة سابقة ما. ويُستدل بها للوصول إلى النواتج الإيجابية الصحيحة لاحقا "الحاضر والمستقبل".
وإذا دققنا النظر في كل الأشياء الموجودة في العالم من حولنا، سنخلص إلى أن هناك علاقة وترابطا وثيقين وهائلين جدا بينها، نستطيع وصفه بالتكامل الطبيعي المنطقي. لكن هناك سؤالا مُلحا يبحث عن إجابته الجميع تقريبا، يتركز حول تعريف الفكرة وماهيتها.
وفي رأيي أن محاولة البحث عن تعريف محدد للفكرة أو ماهية الفكرة إنما هو من قبيل العبث، إذ إن "تحديد" ماهية الفكرة سيضعها في إطار التحجيم، وهو ما لا يمكن أن تتقبله مبادئ الفكرة بكل غايتها ونواياها وتطلعاتها، فالفكرة لا تقبل القيد مطلقا، وترفض أية محاولة لتقييدها بالقطعية.
وفي جانب الحديث عن مصادر الفكرة، يقول بعض الباحثين، إن مصدر الفكرة عبارة عن طاقة كهربائية تأتي على قدر حجمها وتفاصيلها، وهذا اكتشاف عظيم يوكد التصاق الفكرة بالدماغ مباشرة، ويؤكد دحض مقولة أن الفكرة قد يكون باعثها القلب! وذلك في الواقع نتيجة الخلط بين مفهوم الفكرة ومفاهيم أخرى كمفهوم النوايا مثلا. ذلك أن الفكرة في حد ذاتها عمل ذهني أصيل، لا تتحكم فيه عواطف بعينها أو غرائز بأصلها، وهو ما يؤكد تحرر الفكرة من أية ملكية محتملة. لكنها ولفترة ما قد تقع ضحية لعبودية ما أيضا، وعلى ضوئها يمكن أن تحدد سمات وصفات اجتماعية كاملة، فمثلا المجتمعات الإنسانية الواقعة تحت سيطرة فكرية أحادية ما، قد تقع مباشرة تحت مظلة تلك السيطرة التي نقصدها، وهي العبودية الفكرية الموقتة، وعلى ضوء ذلك لا تملك الفكرة إلا هامشا بسيطا للحركة، فيكون الناتج مقابلا موازيا لحجم ونوع تلك السيطرة، ويشكل ذلك تماهيا منطقيا مع القلة المعرفية الثقافية بالنتيجة، الأمر الذي يُعقد الحصول على نتائج إيجابية ممكنة على الدوام، فالمجتمع الخائف سيظل خائفا على الدوام، طالما بقيت سيطرة عواطف الخوف مُكرسة على عقليته، والمجتمع المفتوح الذي يتواصل مع العالم وأطروحاته، سيندفع متماهيا مع التنوع الفكري، وسينتج على كل المستويات وفي كل الاتجاهات، بعيدا عن التصنيف أو التوجيه المُمنهج. لذلك نرى المجتمعات العربية تتأخر كثيرا عن نظيراتها الغربية، ليس لقصور الأفراد فيها، ولكن لقصور عمليات التنوير والتثقيف والمعرفة، ومحاصرة بواعث التفكير الإبداعية وتطبيقاتها، إذ كيف يمكن أن تأتي الفكرة في ظل حصار العقل الذي يؤدي إلى موت توق البحث عن الفكرة باستمرار، أو لنقل إلى سقم العقلية الاجتماعية بشكل عام، قبل أن ندرس ونُعد آلية وطريقة التفكير في الأصل، ونمنحها المساحة الكافية للحركة والتجريب التطبيقيين. وهذا يبتعد بنا عن جوهر التفكير المثالي المنطلق. وأعتقد أن أحد أكبر مآزق العقلية العربية، يكمن في ضعف تبيين وفهم الفروقات بين مفهوم "الفكر"، ومفهوم "الفكرة"، فهما على الرغم من ترابطهما الوثيق وتشابههما على مستوى الشكل واللفظ، إلا أن الاختلاف بينهما في المعنى والنتائج عميق وشاسع جدا.