"فقد كانت المهمة الكبيرة التي صرت أرى أنني مسؤول عنها، هي إقناع الناس بجدوى التراث في حياتهم المعاصرة والمستقبلية، وكانت مهمة مستحيلة بالنسبة لبعض الناس في تلك الأيام"... سلطان بن سلمان، (سيرة في التراث العمراني).

يرتبط الإنسان غالباً بالذكريات القديمة، والأيام الماضية تعد الأجمل بالنسبة إليه، لارتباطه سيكولوجياً بها، فيحن إلى جميع مكونات تلك الحياة وعناصرها وأدواتها، والمنزل القديم يعد جزءاً من الحنين للماضي "كم منزل في الأرض يألفه الفتى...وحنينه أبدا لأول منزل".

إذاً لماذا قال عنها سلطان بن سلمان مهمة مستحيلة، فبشهادة القليل من المهتمين بالتراث، أن الذي يدرس أو يعمل أو يهتم بالتراث شخص مرفه مثله مثل تاجر "الانتيك" بالنسبة للمجتمع.

ولمحاولة تفسير وفهم عدم اقتناع الناس بجدوى التراث، سأستعرض لكم تحليل وتفسير محمد زايد الألمعي لهذه الحالة، عندما قال في حوار شفهي مسجل معه، بأنه يوجد لدينا خلل في التكوين المعرفي، فرؤيتنا لبعضنا رؤية إقصائية، فنحن نقصي بعضنا عن بعض، مما يجعلنا نصادر فنوننا، ورأينا في بعضنا وذواتنا، فلا نجعل لها قيمة، فنية كانت أو معرفية، فآراؤنا في بعضنا تقوم على إلغاء بعضنا، سواءً في الثقافة الشعبية أو التراث أو الفنون أو الرقصات أو الموسيقى أو الغناء. للأسف نحن ضد معالمنا وثقافتنا المحلية، وفي حالة تشكيك دائمة فيها.

يرجع محمد زايد ذلك إلى دخول نزعة نقدية لماضينا، فعوضاً عن أن يصبح لدينا حنين للماضي، قمنا بربطه مع أسوأ الصور من فقر وجهل وانعدام أمن، والذي عزز هذا في أنفسنا التعليم، فمنذ نعومة أظافرنا وهم يلقنوننا حكايات الرعب عن ماضينا، فطالما سمعنا هذه العبارة الكلاشيه بأننا "كنا مجتمعا جاهلاً ومتخلفاً تملؤه الخرافات والمنازعات، ووصلنا لدرجة نفي صفة التوحيد عن آبائنا، وقلنا إنهم يعبدون الأشجار". هذا الهتك في الذات الثقافية، أورثنا نظرة تجاهل لماضينا، كدنا ننسى أننا كنا نسكن في بيوت! لإعلائنا ما وصلنا إليه من إنجاز عظيم، ومن أننا بنينا دولة حديثة قوية اقتصادياً، وأصبح يشار إلينا بالبنان، هتكنا في ذواتنا صورتنا الماضية، هدمناها، ألغيناها، احتقرناها، همشناها، همشنا آباءنا وأجدادنا، وثقافتنا وتراثنا وكل شيء، فهي علاقة طردية، كلما تضخمت ذواتنا ونرجسيتنا بإنجازنا إنجازاً بهذا الحجم وبهذه الروعة، استصغرنا واحتقرنا ماضينا، ونرى الأجنبي يأتي من آخر الدنيا ليكتشف تراثنا.

ويؤكد علماء النفس نظرية محمد زايد بدراسة تشير إلى أن أكثر الناس حنيناً إلى حديث الذكريات وللماضي هم الذين عايشوا التغيرات الاجتماعية ودخلوا في مجتمعات جديدة، ولم يتكيفوا معها، فاضطروا مجبرين بحكم سيرورة الأيام أن يتعايشوا مع واقعهم الجديد، وهؤلاء ـ في الغالب ـ غير راضين عن واقعهم الحالي، ولكن هذا لم يحدث، بل تعايشوا مع الحضارة والمدنية بمعناها في ذاك الزمان وآثروا الانغماس في حياة المدن على صفاء ذاكرتهم، ونقاء قصيدتهم واستحضارهم لأيام الصبا وعهود الشباب، ولم يقفوا على أطلال الأهل والخلان، كما كان "مجنون ليلى" يقف أمام "التوباد" مستحضراً "زمان الوصل" مع ليلى.