الحكمة والمعرفة مصطلحان شغلا العالم على امتداد تاريخه. وقد فُسر ذلك البحث الدائم على أنه نتاج القلق الدائم لدى الإنسان للبحث عن المعرفة. وقد توازى البحث عن المعرفة مع الزمن والتاريخ وتتابعهما، إلا أننا وجدنا أن البحث عن الحكمة قليل جداً بالنسبة للبحث في مدارات المعرفة. فهل هما مصطلحان يؤديان إلى المفهوم نفسه؟ أم أن لكل منهما مفهومه وفلكه الخاص بمعناه، وخاصة أن الله سبحانه وتعالى قد كرم الحكمة في مواضع كثيرة في القرآن الكريم: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب) [البقرة: 269].

أما بالنسبة للمعرفة فإننا نجد أن كل هذه الحمى المعرفية طيلة تاريخ البشرية تظل نسبية إلى حد كبير. ولا نبحث في مقالنا هذا عن المعرفة وإنما نتبين ذلك الفرق بين مفهومها ومفهوم الحكمة إن جاز لنا ذلك، ومما دعانا لكتابة هذا المقال هو بعض التأملات، حيث إننا نجد كثيرا من الحكماء بعضهم لا يقرأ ولا يكتب في قديم الزمان وربما حديثه، بينما نجد أن النظريات المعرفية لا تصدر إلا عن علماء أبحروا في غياهب العلم وسدوده وجداوله، فهل الحكمة موهبة "هبة" والمعرفة مكتسبة؟ أم أنهما صنوان؟ أم أن لكل منهما مداره الخاص به؟

فالقريحة المستفيضة تأتي عبر جينات يولد بها الفرد كما أكد كثير من منظري الإبداع على أن المبدع لابد أن يولد، فيقول "بيسفلد" عن بعض الموهوبين العظام: "إن رقتهم وسعة أفقهم كانتا في كثير من الأحيان شيئا عظيما رحيباً". وتقول "راشيل كروثرس" في محاضرة لها في جامعة بنسلفنيا: "سواء استطاع الإنسان أن يبدع أو لم يستطع فهذه ليست مسألة ذكاء أو خبرة فقط، ولكنها مسألة ذلك الشيء الغامض الذي لا يمكن تعريفه أعني السليقة".

إذاً، السليقة هي موهبة من الله أو جينات يحملها الواحد منا عبر تداخل الأجيال وتتابعها. وكذلك إذا ما اعتبرنا أن الحكمة سليقة تؤتى ولا تكتسب..

أما ما ذهب إليه الفلاسفة وعلماء اللغة في البحث عن مفهوم المعرفة، عبر تفاسير وأبحاث لا تعد ولا تحصى كما أسلفنا في بداية هذا المقال، ولعل أقربها هو "أن المعرفة لا توجد خارج الإنسان، ذلك أن المعرفة في ذاتها، مهما بلغت من الموضوعية والعلمية، هي مشروطة بالضرورة بوجود الذات العارفة. وأن الحقيقة في ذاتها، تاريخية كانت أم جمعية، هي في أمس الحاجة إلى تلك الذات الواعية والمفكرة، التي نفضلها ونحملها ونعيها ونميط اللثام عنها. تلك الذات التي تحمل قصداً داخليا وأعني إجادة الحكم والتفكير طبقاً للحقيقة"، كما وصل إليه المفكر فردريك معتوق. وكما قال أوغوسطين "لا تحاول الخروج من نفسك، بل عد إليها فإن الحقيقة تكمن في أعماقك أيها الإنسان" وهذه الآراء تختلف مع ما جاء به د. عبدالكريم بكار حيث قال: "الذكاء موهبة من الله (تبارك وتعالى)، والمعرفة الواسعة كسب شخصي، والإرادة القوية هدية المجتمع الناجح لأبنائه البررة؛ فهو الذي يحدّد العتبة والسقف المطلوبين للعيش فيه بكرامة على مستوى الإرادة، وعلى مستوى القدرة، وهو لا يمنح القدرة، لكنه يمنح أفراده إرادة الفعل والكف من خلال نماذجه الراقية، ومن خلال التراتبية الاجتماعية التي يصوغها تأسيساً على الاستجابة لأوامره". إذ إنه جعل "الحكمة" موهبة متمثلة في الذكاء وأن المعرفة مكتسبة، في حين أن جميع المنظرين قد أجمعوا على أن لا معرفة بدون موهبة، فالموهبة هي من تلد الحكمة والحكمة هي من تلد المعرفة وبالتالي يغلفها جميعها غلاف الموهبة التي تُمنح من الله عز وجل فيولد بها الفرد الحكيم دون غيره من البشر، إلا أن الحكمة أوسع وأشمل؛ حيث تظل المعرفة نسبية إلى حد بعيد، فيقول معتوق: "جل ما في الأمر أن تجليات الكائن البشري، على الصعيد المعرفي، نسبية." فالأول أرجأ المعرفة إلى العلم أما الثاني فقد أعزاها إلى الموهبة والسليقة "الحكمة".

وفي هذا الصدد يجنب "يورجين هابر ماس" العلم جانبا فيقول: "إذا ما أردنا أن نعيد بناء السجال الفلسفي للعصر الحديث على شكل مداولات تجري في محكمة، فإن مثل هذا السجال سيكون مدعوماً لحسم السؤال الوحيد التالي: كيف يمكن أن نحصل على المعرفة للمرة الأولى؟..حيث وصلت نظرية المعرفة بادئ ذي بدء إلى الوعي بالذات من خلال تساؤله المعرفي، وبالتالي دخلت في بعدها الخاص، كان نفسه يدعي موقعا مستقلا للمعرفة العقلية مقابل العلم". وبالتالي فإن "ماس" قد أعلن استقلال العلم عن المعرفة في خضم هذا الجدل المحموم فيقول: "وهذا يعني كمقولة معرفة ممكنة، فإن العلم يمكن إدراكه فقط ما دامت المعرفة ليست موضوعة على قدم المساواة مع العلم..بمعنى أن العلم الذي يمكن أن يصبح قابلا للفهم وآخذا شرعيته من صميم أفق المعرفة الممكنة". وبهذا يتجلى لنا أن الحكمة كانت أوسع وأشمل، وهبة من الله عز وجل ولذلك أطلق عليها اسم موهبة، فهي من تحث وتسعى وتنبثق منها مجالات الإبداع والحكم على الأشياء وتتفتق منها جميع العلوم والمعارف، فيدوران في دائرتين متداخلتين لا ينفصل بعضهما عن الآخر، وتظل الحكمة هي الوعاء الأول والأعم والأشمل للعلوم والمعارف، وتظل دائما أبداً هبة من الله عز وجل. "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب".