تعمل المرأة بوظيفة زوجة في عملها الزوجي ربما 30 أو 40 سنة، ثم بعد خلاف ربما يكون سببه المدير (الزوج) قد تتعرض للفصل التعسّفي من مديرها الزوج، مما يجعلها لا تستحق نظاما أي مكافأة نهاية خدمة أو تأمين تقاعدي!
هذه حال كثير من النساء المطلقات في مجتمعنا للأسف مع استشراء الجمود الفقهي وسبات الجهات المسؤولة عن وضع نظام يكفل حقوقهن أو حتى مدوّنة تبحث المشكلة وتناقش الحلول!
لنناقش فكرة حديثة تأخذ نفس السياق تماما، ولكنها عبرت طريقها للمجتمع دون حساسية، حيث إن العامل الأجير لم يكن يوماً يتقاضى تأمينا تقاعديا من صاحب العمل أو غيره، ولا حتى مكافأة لنهاية الخدمة، ولكن بعد إيجاد التأمين التقاعدي كفكرة حديثة تقبلها المجتمع بمن فيهم الفقهاء، وذلك لتأمين حياة الموظف/الموظفة فيما بعد التقاعد لتكفل له حياة كريمة، في الوقت الذي قد يكون فيه عاجزا عن العمل. وبنظري أنه يمكن إيجاد تكييف فقهي لمسألتنا كما أوجدناه للتأمين التقاعدي.
لا أريد أن أطرح الحل الذي تعمل به القوانين الغربية، حيث تأخذ المرأة نصف ثروة الرجل بعد الطلاق، فهذا الحل لا يتوافق حتى مع مبادئ العدل العامة، وقد سبب لهم أزمة أدت للعزوف عن الزواج الشرعي وانتشار العلاقات خارج الإطار الزوجي هروبا من هذا الحل!
فقد تتزوج المرأة اليوم، وتُمضي عمرا طويلا مع زوجها، تصْرف فيه كل جهدها في خدمته ورعاية أولاده وبيته، والكثير من النساء قد يتركن وظيفتهن أو دراستهن، ولم يتركنها إلا لأجله بعد أن كنّ موظفات أو دارسات. ثم بعد ذلك؛ قد يأتي الزوج ويطلق تلك الزوجة بملء إرادته، ولا تكون لها بعد ذلك أي حقوق مالية عليه!
لا شك لدي في أن هذا العمل من الجور والظلم المحرم، وإذا أصبحت من حق العامل مكافأة نهاية الخدمة وغيرها فمن الواجب والأولى أن يكون لتلك المرأة الضعيفة ما تستحقه مما يكفل لها حياة كريمة.
إن هذه الحالة تستدعي المراجعة، حيث إن الإسلام يحرم الظلم، ويعطي كل ذي حقٍ حقه، فهذه المرأة لم تعد قادرة على العمل وقد تجاوزت سنّ البدء بالعمل غالبا، بخلاف ما كان يحدث في الأمس، فالمرأة آنذاك ـ ببساطة ـ كغيرها من الأخريات تستطيع أن تعمل مثل من لم تنقطع عن العمل، ولا توجد أعمال معقدة، ولا تستوجب خبرة أو تعليماً يُذكر، بينما اليوم كل موقع وظيفي يستوجب نوعا معينا من التعليم والخبرة، وبعضها يستوجب خبرة تراكمية لعدة سنوات أيضا. كل هذه الأمور ربما تكون قد خسرتها تلك المرأة لأجل زوجها! فألا يكون لها الحق ـ على الأقل ـ في الحصول على نفقة تضمن لها حياة كريمة؟ عوضا عن تفرّغها له لسنوات وتركها للوظيفة أو الدراسة مثلا؟
هذه النفقة قد تكون من المتاع الذي قال تعالى عنه: "ومتّعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقا على المحسنين" أو قد تُفرض من باب اشتراط ولي أمر المسلمين لهن بذلك على شكل نظام يحفظ حقوقهن، ولا يوجد نصٌّ شرعي يمنع من ذلك.. والله أعلم.
ربما يعترض البعض بإشكال: ما هو الحل إذاً؟ وما هو مقدار النفقة التي تتحدث عنها؟
لا أدعّي امتلاك مفتاح الحلول، ولكن أعتقد وجوب البحث في هذه القضية بجدية، وبعقل منفتح غير جامد. وأعلم أنه يوجد لدينا إشكال كبير في تحديد حتى النفقة الواجبة والمتفق عليها للزوجات والأولاد، وهذا له عدة أسباب، أهمها عدم وجود النظام، ثم عدم وجود آلية واضحة لتحديد النفقة الواجبة!
ففي تحديد النفقة بنظري يجب أن تكون بوضع حدٍ أدنى يُدفع لهن ويكفل حياة كريمة، وبالإمكان تحديده على درجات باختلاف الأماكن أو الأحوال ـ المهم أن توضع أرقام محددة ـ ويجب أن يراجع هذا الحد بشكل سنوي، كما هو معمول به في الأنظمة الحديثة.
أما حديث الفقهاء عن أن النفقة تكون بحسب الزوج على قول أو بحسب الزوجة أو غير ذلك من الأقوال، فإن هذا الأمر غير دقيق والله أعلم، حيث لا يُقال لمن يملك ثروة ضخمة إنه آثم بسبب أنه لم يُسْكِن زوجته في بيت فاخر، مع أنه قد لا يكلفه شيئا، ولكن يُقال للرجل القادر على توفير مسكن بالرغم من أحواله المتواضعة إنه آثم إذا لم يُوفّرْ المسكن، ولا شك. كما أن لزوم نوع معيّن من المسكن والملبس الزائد عن الحاجة لا يجب في حال الوضع الطبيعي في الزواج، وكذا بعد الطلاق، فدلّ ذلك على أن هناك حدّا واجبا على الجميع بالتساوي، وهو توفير الحاجيات الضرورية كالمسكن والمشرب والملبس الكريم ونحو ذلك. ولا يُمكن القول باختلاف قدر النفقة على اختلاف درجات الناس بشكل مطلق، نظرا لتقارب الناس في الحال هذه الأيام، ولعدم القدرة على وضع ضابط يحفظ حقوق النساء في تقدير النفقة بشكل متيسّر لا يُحتاج فيه إلى محاكمات ومراجعات، هذا بخلاف مشاكل التنفيذ.
ووضع مثل تلك التقديرات الواضحة يُوفر بلا شك مساحة كبيرة من وقت أصحاب الفضيلة القضاة الذي هم في أمس الحاجة إليه، كما أنه يسهّل ويسرع آلية المطالبة بالنفقة الواجبة بشكل عاجل. فالواجب في نظري أن يُوضع حدّ أدنى كي يُلزم به كل من وجبت عليه النفقة، سواء كانت زوجة أو مطلقة أو أبناءً بما يكفل لهم حياة كريمة، وما زاد عن ذلك فبالإمكان التقدم بطلب للمحكمة للنظر في ذلك، وقد سبق أن كتبت في هذا الموضوع في مقال بعنوان "المطلقة ألا سبيل لتعويضها؟"
أعود وأقول إن استمرار الوضع الحالي من الجمود الفقهي أو إهمال الجهات المسؤولة قد أدى حتما إلى كثير من الظلم والجور على المطلقات، فهل تبادر تلك الجهات إلى الدعوة للبحث عن الحلول؟