استكمالا للمقالتين السابقتين حول دور وموقف المملكة من قضية إصلاح مجلس الأمن، فإن هذا المقال يحاول تقديم رؤية مبسطة لسؤال أين تكمن مصلحة المملكة ضمن خريطة المواقف الخلافية المتعددة المتعلقة بإصلاح المجلس، خاصة أن المملكة على مدى العقدين الماضيين اللذين شهدا انطلاق عملية الإصلاح فضلت مبدأ الحياد الإيجابي تجاه هذه المسألة فلم تعلن عن موقف محدد تجاه أي من الأفكار المطروحة في هذا الشأن، وكذلك لم تنضم لأي من التجمعات الدولية التي تشكلت على خلفية الاختلاف حول كيفية إصلاح المجلس، وهو ما يظهر من خلال وثيقة المراجعة الثالثة (Rev 3) التي تعد آخر ما توصلت إليه الدول في مفاوضاتها غير الرسمية حول هذه المسألة، فهوامش هذه الوثيقة تظهر أن المملكة لم تتخذ أو تطرح موقفا محددا من أي من المسائل المطروحة وكذلك لم تتقدم باقتراح محدد وإن كانت بالتبعية تؤيد مقترحات المجموعة العربية أو منظمة التعاون الإسلامي (وكلاهما أيضا لم يتقدم إلا بمقترح لكل منهما). وعلى عكس دول عربية أخرى لم تنضم المملكة إلى أي من التجمعات الدولية (blocs) التي تشكلت على خلفية هذه المسألة (على سبيل المثال: تشارك مصر ضمن توجهات المجموعة الأفريقية، والأردن ضمن مجموعة الدول الخمس الصغيرة S-5).

وثيقة المراجعة الثالثة تنقسم إلى خمسة أبواب أو قضايا خلافية رئيسية تتعلق بإصلاح مجلس الأمن وهي على النحو التالي:

1- فئات العضوية: تتناول هذه المسألة نوعية التوسع في عضوية مجلس الأمن سواء في فئة العضوية الدائمة أو غير الدائمة، وقد طرحت بعض الدول مقترح إيجاد فئة عضوية ثالثة تكون غير دائمة ولكن بمدة أطول.

2- حق النقض (الفيتو): تتناول هذه المسألة فكرة إلغاء حق النقض، وإعطاء أو عدم إعطاء هذا الحق لدول أخرى مع توسعة المجلس، أو الأفكار المختلفة التي طرحت حول تقنين استخدام الفيتو.

3- التمثيل الإقليمي: تتعلق هذه المسألة بالأفكار المطروحة لمعايير التوسع في عدد أعضاء المجلس، مع كون المعيار الجغرافي هو الأساس حيث يقترح التوسع في عدد الأعضاء ضمن التقسيم الحالي للعالم إلى 5 مناطق.

4- حجم التوسع في عضوية المجلس وأساليب العمل: تتناول هذه المسألة المقترحات العددية لزيادة أعضاء المجلس من 15 عضوا إلى 25 أو 30 عضوا تقريبا وكذلك المقترحات المختلفة لتحسين أساليب العمل (working methods) داخل المجلس.

5- العلاقة بين مجلس الأمن والجمعية العامة.

ضمن هذه النقاط الخمس تعد مسألة حق النقض (الفيتو) هي النقطة الأكثر خلافية وصعوبة لتحقيق تقدم نظرا لتشبث الدول دائمة العضوية حاليا بمكاسبها ورفضها لأي مساس بهذا الحق، ولأن أي تغيير في صيغة حق النقض سوف يتطلب إما موافقة الدول الخمس دائمة العضوية أو وجود ضغط دولي كبير (وهو الأمر الذي يصعب تحقيقه حاليا)، فإنه يمكن القول إن أقصى تقدم يمكن تحقيقه في هذه المسألة هو تقنين وضع استخدام حق النقض. وهنا يمكن الإشارة إلى مقترحين في هذه المسألة. الأول: مقترح إيطاليا (ممثلة تجمع الاتحاد من أجل الإجماع) الذي يرى حصر استخدام حق النقض للقضايا المطروحة تحت الفصل السابع فقط من ميثاق الأمم المتحدة، والثاني: مقترح فنزويلا وبيرو بتقنين استخدام حق النقض من خلال اشتراط تصويت دولتين دائمتي العضوية وليس دولة واحدة كما هو متبع الآن. وكلا الاقتراحين جدير بنظر المملكة خاصة اشتراط تصويت دولتين للفيتو حيث إن التجربة أثبتت أن استخدام الفيتو فيما يخص قضايا المنطقة العربية تعلق برفض أميركي أحادي للضغط على إسرائيل، فيما القضايا الأمنية الأخرى في المنطقة كإيران أو أي نزاعات أخرى لم تواجه تجمع دولتين إلا في حالات فردية كما حدث في توافق روسيا والصين حيال الوضع السوري اليوم. مصلحة المملكة على المدى الطويل ليست في إلغاء حق النقض أو إبقائه على حاله حيث إن كلا الأمرين يشكل تحديا لتوازنات المملكة الدولية، فالمملكة لا تزال تحتاج إلى الغطاء الدولي الذي يوفره عدد من أصدقائها الدوليين، وفي ذات الوقت تحتاج المملكة إلى صيغة جديدة تمكنها من دفع مصالحها في المنطقة دون الاصطدام المباشر بحلفائها، وهنا تبرز معادلة صوتين للفيتو كمعادلة مثالية تمكن من الضغط على إسرائيل وعلى إيران دون كثير من تغيير التوازنات الرئيسية التي تعتمد على المملكة لحفظ أمنها الإقليمي.

على صعيد آخر تعد مسألة التمثيل الإقليمي النقطة الأهم للمملكة ضمن هذه النقاط المتعددة، فكل نقاشات التمثيل الجغرافي لم تشهد أي محاولة من الدول العربية لتثبيت حقوقها باستثناء مطالبتها بضمان وجود مقعد عربي (غير دائم)، وذلك ضمن التقسيم الحالي لمناطق العالم التي يتواجد فيها العرب ضمن مجموعتين (مجموعة الدول العربية الأفريقية والآسيوية) بحيث يتناوب العرب مرة على المقعد الآسيوي ومرة على المقعد الأفريقي. والعالم العربي الذي يمثل 11% من دول العالم (بمجموع سكان يقارب 400 مليون ومساحة تقارب 14 مليون كيلومتر مربع) من الواجب أن يكون تمثيله في منطقة جغرافية مستقلة بأكثر من دولة واحدة، وهنا تبرز النقطة الأكثر ضعفا في موقف المجموعة العربية وبخاصة المملكة. فبدلا من مطالبة الدول العربية بزيادة عدد أعضائها على مقعدين سواء في مجموعة آسيا وأفريقيا، وهو ما سينتهي باستمرار حصول العرب على مقعد واحد كان من المفترض أن يطالب العرب بأن تكون منطقتهم منطقة جغرافية مستقلة لها تمثيل بأكثر من مقعد، وهو ما سيصب في مصلحة المملكة على المدى الطويل بضمان وجود على قائمة التمثيل العربي داخل المجلس لمدة أطول، وكذلك بقدرتها على الضغط على الممثل العربي لمصلحتها. إذا كانت المجموعة الأفريقية تطالب بثلاثة مقاعد أخذا في الاعتبار التواجد العربي ضمن الدول الأفريقية، فمن هذا المنطلق يمكن للعرب المطالبة بمقعدين دائمين في مجلس الأمن وإنقاص حصة كل من آسيا وأفريقيا بواقع مقعد واحد، والأمر المستغرب عدم مطالبة العرب به وخاصة المملكة. ومع وجود مقعدين واشتراط تصويت دولتين لحق النقض يمكن للمملكة حينها أن توجد لها تواجدا قويا ودائما في مجلس الأمن نظرا لموقعها الإقليمي القوي.

التقسيم الجغرافي الحالي لمناطق العالم لا يزال يعكس واقع عام 1945 عشية إنشاء الأمم المتحدة، فليس هناك معنى في بقاء تقسيم شرق وغرب أوروبا لمنطقتين مختلفتين، وبالمثال أيضا فإن تقسيم العالم العربي لمنطقتين آسيوية وأفريقية يعكس واقع عالم 1965 الذي انقسم فيه العالم العربي بحسب التوجهات الأيديولوجية لعالم الحرب الباردة. إن مصلحة المملكة الأولى في مسألة إصلاح الأمم المتحدة تكمن في إعادة العالم العربي إلى منطقة مستقلة مع رفع تمثيل العرب لمقعدين مما يضمن في مختلف المعادلات (سواء فئات العضوية أو عدد الأعضاء أو حق النقض) إمكانية تواجد المملكة أو تأثيرها داخل مجلس الأمن بالشكل الذي يعكس ثقلها الإقليمي. وعدم تقدم المملكة بأي مقترح خلال المناقشات المتعلقة بإصلاح مجلس الأمن مسألة ربما يجب إعادة النظر فيها خاصة في الفترة القادمة التي ستشهد إعادة إطلاق جولة جديدة من المفاوضات غير الرسمية حول إصلاح المجلس.