احتلت برامج TALK SHOW مساءات المصريين، كل المستثمرين الذين أطلقوا قنوات فضائية قبل وأثناء وبعد الثورة كان "الرغي" هدفا رئيسيا لخططهم، راقبوا كم برنامجا يعرض الآن؟ طبعا أعرف طبيعة الظرف السياسي الراهن لكن الأمر كان قبل ذلك بسنوات، دونا عن سكان الأرض ساعات الذروة لا تحتلها الأفلام ولا المسلسلات ولا برامج الواقع بل المحللون السياسيون، أي مزاج هذا الذي يدفع شعبا للسهر على تحليلات واستنتاجات ورؤى سياسيين وصحفيين ومسؤولين في ساعات بث مفتوحة ترمى فيها أطنان من الملوثات السمعية والبصرية التي لو عرفت بها منظمات البيئة العالمية للامت عليها إدارة "النايلسات"..؟ حتى البرامج الرياضية والترفيهية في تلك القنوات لم تنج من العدوى، مالت في أغلبها نحو مواقف سياسية، أستوديو تحليلي "طول بعرض" لمباراة ينشغل بعبارة أطلقها معلق رياضي دعما لطرف ما، حتى المذيعات اللواتي من المفترض أن يمارسن ضبطا لكمية ونوعية الحديث نشاهدهن يندفعن في سباق لفظي مع الضيوف والمتصلين باستثناء منى الشاذلي، ولو أمكن للعلماء ابتكار طريقة لتوليد الطاقة من اللسان لأصبحت تلك البرامج منجمها الكوني الأول واحتكرت صناعتها التكريرية بعقود امتياز طويلة الأجل.
ليس هناك مجتمع يمكنه استيعاب الكميات الهائلة من "الحكي" المهدور في الأستوديوهات، حتى الروح الخفيفة للمصري تراجعت لصالح الجهامة وكآبة المنظر واللسان الذي لا يكف عن العمل والعناوين والمقالات، صار النيل حبرا والأهرامات صفحات، استحال "أبو الهول" ميكرفونا يصرخ عبره من يشاء لاهجا بكلام في الكلام وتحليل في التحاليل وتفصيل ما لا يفصل في لزوم ما لا يلزم.. "ألف ليلة وليلة" السياسية "وتغريبة بني هلال" التحليلية، و"سيرة الزير" الحزبية، وهكذا يمضي الجميع إلى العدم باسمين في الثرثرة، سادرين في غي الهذرات، ممعنين في حدائق اللغو البابلية المعلقة.