يقام مؤتمر لدينا عن مكافحة السلع المغشوشة والبضائع المقلدة، وفي قوائم الدول للبضائع المقلدة ـ للأسف ـ فإننا نجد أنفسنا في الدول المتصدرة لقوائم هذه البضائع المقلدة والسلع الغشوشة.
نحن دولة مستوردة بامتياز، ولا أدل على ذلك من أن كبار الأسر التجارية في بلدنا هم في أصل بدايتهم مستوردون لسلع وخدمات من الخارج، وكثير من هؤلاء التجار مازالوا ممثلين لتلك الشركات التي بدؤوا معها ويحاولون محاربة التقليد والغش بكل ما أوتوا من قوة، لكن الحال لايزداد إلا سوءا فأين مكمن الخلل يا ترى؟
البضائع المقلدة والسلع المغشوشة منها ما يتم تصنيعه أو توليفه محليا، ومنها ما يتم استيراده من الخارج، ومنها ما يجمع بين الاستيراد من الخارج والتغليف وتزوير شهادة المنشأ في الداخل، ولهذا فإن وجود البضائع المقلدة والسلع المغشوشة عبارة عن منظومة متكاملة ليس لها بالضرورة عنوان محدد أو جهة محددة يمكن أن تكون عليها المسؤولية واللائمة دون جهة أخرى.
نحن ليس لدينا منظومة مقاييس ومعايير محددة للبضائع المستوردة يتم تطبيقها بصرامة ويمكن الرجوع إليها عند الحاجة. ليس لدينا منظومة حماية للمستهلك يمكن لها أن تساعد أيا منا حين يتعرض للغش أو البضائع المقلدة، فهيئة حماية المستهلك تذكرني بتاريخ الأندلس القديم من كثرة انشغالها باختلافاتها الداخلية وانقساماتها حتى غدت أمثولة، وقسم حماية المستهلك التابع لوزارة التجارة بدأ مؤخرا في فترة الوزير الربيعة ينشط من عقاله ويحاول أن يؤدي دوره ولكنه مازال أمامه الكثير، وفي هذا المقام أذكر أن ابني اشترى مرة ملابس للعيد من محل في موقع مشهور بالرياض اكتشف بعدها أنها مقلدة، وعندما عاد إليه وهدده بتبليغ وزارة التجارة، أجابه البائع إجابة تعبر عن استهتاره بقدرات الوزارة الرقابية: "إيك هاك نمرتهن روح وبلغ"، وفي قضية مشابهة لعميل لدى مكتبي يتاجر في الأشمغة الفاخرة تباع بمئات الريالات وجد أن هنالك من يقلد أشمغته ويبيعها على الأرصفة بثلاثين ريالا فقط. تابعنا وبلغنا وتفرق الدم بين القبائل ولم تساعدنا فرق التفتيش في وزارة التجارة إلا بإيقاف عدد يسير من الأشمغة يقدر بالمئات يباع في أحد الأفرع التي تبيع بالوحدة، وتركت المقلد الأساس يسرح ويمرح حتى أضر بتجارة صاحب العلامة الأصلية.
في الغالب ليس هنالك ما يشجعني أنا المستهلك على أن أحترم العلامة الأصلية وقد أخلت هي بالتزام ما بعد البيع نحوي، فإن أحسست بالغبن كانوا هم في ذاتهم الخصم والحكم. حين يشتري المستهلك ماركة أصلية فإنه يدفع الثمن الأغلى ليس لأنها أصلية وأجود فحسب، بل لأنه في الغالب يريد أن يشتري ما يأتي معها من ضمان وحماية وخدمات تستحق هذه الزيادة في الثمن، لكن الحاصل والمشهود في الغالب خلاف ذلك، فلماذا أحرص أنا على شراء السلعة الأصلية وهي لا تعطيني ما أتوقعه؟
تحتاج الشركات الوكيلة أو الممثلة للسلع الأصلية أن تساعدني هي على أن أحترم السلع الأصلية وألا أستغلي ثمنها، من خلال تطوير خدمات ما بعد البيع وتنفيذ الضمانات التي تعهدت بها للمستهلك وتسهل لي سبل الحصول على مستحقاتي دون مماطلة.
أيضا فإن الأسعار الحالية للبضائع الأصلية بوضع الخدمات الحالي مبالغ فيها جدا، وأذكر مرة أنني قرأت مقالا عن دراسة قام بها أحد المواطنين لمقارنة أسعار قطع الغيار الأصلية، فوجد أنه لو اشترى سيارته كقطع غيار فإن ثمنها سيكون أغلى ستين مرة من ثمنها الحقيقي، فهل هذه المبالغات مقبولة، وهل هنالك ما ينظمها؟
لا بد أن تكون هنالك منظومة أنظمة مترابطة تشمل مجموعة الجهات ذات العلاقة بدءا من المقاييس والمعايير المرتبطة باستيراد السلع، ومرورا بالجمارك وضبطياتها وآليات التعامل مع السلع المقلدة والمغشوشة على اختلاف أنواعها، وانتهاء بمنظومة المتابعة والتنفيذ سواء كانت تابعة لوزارة التجارة أو لغيرها من الوزارات.
جزئية المتابعة والتنفيذ في نظري هي الأهم في هذه المنظومة إذ هي أنياب الأسد ومخالبه التي تبين للتاجر وللمستهلك على حد سواء أن للغش توابعه وأن للتقليد توابعه وأن لمخالفة الضمانات والتزامات خدمات ما بعد البيع توابعها، وأن للمبالغة في الأسعار توابعها.
دون العقوبات الرادعة للجميع، ودون الصرامة والسرعة في التنفيذ لصالح المستهلك في حق التاجر، ولصالح الممثل للسلعة الأصلية في حق المقلد ستبقى هذه المحاولات لمحاربة الغش والتقليد حبرا على ورق، وستكون أي أنظمة جديدة في هذا الباب عبارة عن مزيد من التشتيت والترهل بحيث قد تكون نتيجتها عكسية.