في بداية الألفية الثالثة، كان وجود عناوين معينة من الكتب معدوماً. لم يكن لنوعية معينة من الكتب الأدبية والفكرية وجوداً، ولم يكن أمامنا في ذلك الوقت إلا تصوير الكتاب الذي نظفر به من أحد الأصدقاء، الذي غالباً ما يكون قد جلبه من خارج البلد، وخاصة أن الكتاب الإلكتروني بالصيغ المعروفة حالياً لم يكن معروفاً ولا متداولاً حينها، إلى أن دخل عام 2005 الذي أعتبره علامة فارقة في تاريخ الثقافة السعودية.

فقبل ثمانية أعوام، حضرت أول معرض دولي للكتاب في الرياض، نظمته وزارة التعليم العالي آنذاك ممثلة في جامعة الملك سعود، ويعدُّ التجربة الناجحة التي أسست لاحقاً لـ"معرض الرياض الدولي للكتاب" بعد صدور الأمر السامي الذي نصَّ على أن تتسلم وزارة الثقافة والإعلام مهمة التنظيم والإشراف على المعرض، الذي أصبح حدثاً سنوياً ومحفلاً دولياً ثقافياً مهماً بل يعتبر الحدث السنوي الأهم الذي يُنتظر كل عام.

كوّنت السنة الأولى للمعرض انطباعاً متميزاً لدى معظم الزوار فيما يتعلق بالقراءة، وللحق كان ذلك العام مبهجاً بما عرضته دور النشر من عناوين مختلفة تهم كافة الشرائح العمرية والفكرية في المجتمع، بالإضافة إلى الندوات واللقاءات والحوارات التي أقيمت على هامش المعرض.

اليوم، وبعد مرور ثمانية أعوام، أصبح الجهد الأبرز يقع على عاتق وزارة الثقافة والإعلام ممثلة في وكالة الوزارة للشؤون الثقافية، التي نجحت وازدادت خبرتها في تنظيم هذا الحدث الأكبر، واستطاعت هذا العام بالذات أن تتجاوز الكثير من سلبيات الأعوام الماضية بالتعاون بطبيعة الحال مع الجهات الحكومية الأخرى، ليستمر المعرض كحدث ثقافي يضاهي المعارض الدولية الأخرى العربية والأوروبية، فهناك إقبال متزايد عليه، على الرغم من بقاء إشكالية "الصوت الآخر" الذي لا يريد لصوتٍ غيره أن يعلو ويُسمع، حيث إن ما كان يقوم به محتسبون متحمسون في كل عام، شهد هذا العام هدوءاً وابتعاداً عن التشنج الذي كان موجوداً سابقاً، وأتمنى أن يكون ذلك نتيجة أن بعض أفراد المجتمع بدؤوا يعيدون اكتشاف ذواتهم وعقولهم ليعيدوا حساباتهم مع الآخرين، وهذا أمر إيجابي يصب في مصلحة المجتمع ككل.. إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي ربما خففت من حدة الخلاف المباشر.. وانتقال مثل هذه الإشكالات والصراعات إليها!

في الفترة التي زرت فيها أركان المعرض وفعالياته مؤخراً، لم ألحظ أي إشكاليات من هذا النوع، وشعرت بتفاؤل عميق بأن المجتمع بدأ يتقبّل نفسه، ويركّز على الاهتمام بالكتاب بدلاً من التركيز على موضوعات أخرى؛ مما يجعل أفراد المجتمع يقتنعون بأن المعرض- كسوق للكتب - لا يختلف عن أي سوق آخر، في طبيعة وانسيابية حركة الناس، وهذا أمر إيجابي أيضاً يسهم في تطوير قناعات المجتمع وابتعاده عن التشنج.

خلال أيام المعرض تتحول عاصمتنا الرياض إلى قبلة ثقافية للمواطنين والزائرين، الأفراد والعائلات، العرب وغير العرب، وهذا الأمر لا يسهم فقط في القوة الشرائية للكتاب الورقي، وإنما يحرك اقتصاد البلد في الجوانب الأخرى، كالإسكان الفندقي والمواصلات. ومن جهة أخرى، على الرغم من جودة تنظيم الحدث من قبل إدارة المعرض إلا أن الازدحام الكبير لم يربك الحركة، بل على العكس إن ما تسبب في الازدحام، هو أمور خارج المعرض، ومنها عدم انتهاء بعض مشروعات الشوارع المؤدية إليه.

أحياناً يكون الهامش في أهمية المتن. وهذا ما حصل خلال المعرض، حيث إن الفعاليات المصاحبة من ندوات ومحاضرات وحوارات تأتي في غاية الأهمية، ولأن المملكة المغربية ضيفة الشرف لهذا العام، فقد كانت المشاركة متميزة بوجود قامات ثقافية كبيرة من المغرب، كما أن اختيار عناوين الندوات كان موفقاً، وأظن أن اللجنة الثقافية المعنية قد بذلت جهداً كبيراً في محاولة اتسام الندوات الرئيسية والفرعية بالشمولية الثقافية والاجتماعية، إلا أن ذلك لا يكفي، فحضور المثقف وقضيته ما زالا متواضعين، وهناك طموح للمزيد.

بقي لي أن أعترف بفضل معرض الرياض الدولي للكتاب، فجل عناوين مكتبتي الخاصة التي كونتها على مدى سنوات، ابتعتها من دور النشر المشاركة، وقد قلت منذ سنوات إن للكتب التي أبتاعها من المعرض أهمية خاصة لديّ؛ لأني لم أشترها من الخارج، حيث بإمكاني الحصول عليها من الداخل دون (رقيب) يفسد عليّ متعة الحصول على ما أريد، وبعد مرور هذه السنوات، وعلى الرغم من أن ثورة الإنترنت قد سهّلت الحصول على الكتاب الإلكتروني، إلا أنني أفضِّل الاحتفاظ بأصدقائي الورقيين بالحالة التي ولدوا بها.