من الصعب أن يصل الإنسان إلى السعادة التي يحلم بها ويتخيلها في أي جانب كان من جوانب حياتنا المختلفة والكثيرة، فإذا نال السعادة في أحد الجوانب لن ينالها في الجانب الآخر، ويظل يبرز له جانب مفقود ثان وثالث ورابع ليؤرقه. إن الكيان الذي يملٌ، ويتعب، ويصدم، ويمرض، ويخسر ويُوجه مصيره من قبل بشر آخرين، هو ليس كيانا كاملا، ومن ثم هو لن يكون سعيداً بالمعنى الذي يرغب معظم البشر.

تأتي السعادة مما وراء الأشياء، لا من ظاهرها. يسأل كثير من الناس السؤال الأبدي: كيف أحقق السعادة؟ وكيف أصل إليها؟ فما إن يشعر الإنسان أنه (استقر) على قمة هرم السعادة حتى يفاجأ بانهيار في قاعدة من قواعد الهرم تجعله يسقط من عليائه إلى نقطة منخفضة جدا، تتهشم معها أحلامه أو بالأحرى أوهامه في الوصول إلى قمة السعادة، بل إنه في غالب الأحيان لا يصل إلى الحد الأدنى من إحساسه بالسعادة المرجوة.

فإن تقدم لدى الإنسان الجانب المهني مثلا تراجع الجانب العاطفي. وإذا تقدم الجانب العاطفي تراجع الجانب المهني. وإذا تقدم جانب العلاقات والصداقات تراجع الجانب المالي. وإذا تقدم جانب الصحة الجسدية تراجع جانب السفر الترفيهي وتطول قائمة المقارنات ولا تكاد تنتهي.

وإذا أحس الإنسان بمحبة الغالبية له أدرك أن المكان الذي يعيش فيه أو البيئة المحيطة به ليست إنسانية بالقدر المطلوب وليست متقدمة وليست مريحة وليست إيجابية، فيحزن جراء إدراكه ذاك وربما تنهار فكرة الأمل لديه فيندفع بتلقائية للتساؤل: لماذا ولدتُ في هذا المكان تحديداً؟ ولماذا قدر علي هذا المصير، وهذا الطريق دون غيره؟ مع أن السؤال الأهم الذي وبإمكانه أن يطرحه: هو هل حياة البشر مصممة لتكون كاملة؟ وإذا كان تصميم كل شيء في الكون كاملا فما الذي يجعل النقصان والبؤس سمة حياة الإنسان على الأرض؟ ولماذا الحزن الأزلي الذي يسكن الروح البشرية؟

أنت تكافح لأجل السعادة لمحاولة التعرف على سر من أسرار الكون، فأن تكون مرتاحا أكثر يعني أن تكون متوازنا أكثر. هذا التوازن لن يتحقق بوقوفك على حقيقة معنى تجربتك الوجودية على هذا الكوكب، وهي لا تقل أهمية عن البحث عن معان وتمثلات عديدة لخوض السعادة الكاملة. للإمساك بهذه اللحظة الهاربة دروب كثيرة وطويلة، أحد هذه الدروب هو التناغم مع ذاتك الروحية في أوقات شِدتك، وهي القادرة باستمرار على منحك الشعور بالسكينة والأمل كلما طرقت بابها ودخلت إليها ملتجِئاً. لا يهم ما الذي يحدث لك، ولكن ما يهم هو كيف ترد على ما يحدث لك في الحياة.