لم يكد النظام السوري يخسر مدينة الرقة، حتى سلّط قذائف مدافعه، وأرسل طائراته المقاتلة لتهوي بقنابلها عليها. والرقة الواقعة على ضفاف الفرات، فيها أقدم مسكن عرفه الإنسان، وتضم من التاريخ ما يجعلها كنزا فريدا، فمتحفها يحتوي على لقى أثرية تعود إلى مختلف العصور القديمة، وإضافة لقيمتها التاريخية، فإن لها قيمة حضارية يشهد بها ازدهارها في العصر العباسي، حين جعلها الخليفة هارون الرشيد مصيفا له، ثم اتخذها عاصمة للخلافة، ومنها كان يدير أمور الدولة سنوات عدة.

قبل ذلك، توفي في الرقة ودفن فيها الكثير من أعلام التاريخ العربي والإسلامي من أشهرهم: الصحابي الجليل عمار بن ياسر، والصحابي وابصة بن معبد الأسدي، والصحابي أُبيّ بن كعب، والتابعي أويس القرني رضي الله عنهم.

منذ سنوات منحت الحكومة السورية لإيران مساحة واسعة من المنطقة التي دفن فيها عمار بن ياسر رضي الله عنه، فتحول المكان إلى مركز ثقافي إيراني ومزار للقادمين للسياحة الدينية من طهران وقم وغيرهما، ولم يتخلص الموقع من القبضة الإيرانية إلا بعد تحرير مدينة الرقة في الرابع من مارس الجاري من النظام السوري. لكن النظام الذي اعتاد على أن يقصف المدن التي يفقدها بدأ غاراته الجوية وسط خوف الأهالي على أرواحهم وعلى تاريخهم الذي لا يعني للنظام شيئا بقدر استمراره في السلطة، فيما يعني للرقيين الكثير، ولذلك فقد شكلوا لجانا شعبية لحماية المواقع الأثرية والمعالم الحضارية من ضعاف النفوس.

وحتى يطمئن كل البعيدين والمغتربين على أهلهم وأحبتهم ومدينتهم، هناك من مثقفي الرقة من تبرع بالقيام بجولات تفقدية يومية برغم القصف المتواصل، ونشر تقرير تفصيلي على مواقع التواصل الاجتماعي عن الأحياء وسكانها، وعن المواقع المتضررة، أذكر منهم القاص والصحفي يوسف دعيس، والتشكيلي والروائي أيمن ناصر، والدكتور محمد محمد، الذي أصر على فتح عيادته لمعالجة المرضى وآخرين... كما تواصل معي من ليبيا ابن الرقة المثقف والإعلامي أنس العلي؛ للتشاور حول أشرطة تسجيلية أعدها بعض الشباب المثقفين عن تدمير المركز الثقافي في الرقة بنيران النظام، وبتدميره فقد ضاع الكثير من تاريخ الرقة ووثائقها المحفوظة في المركز، وكذلك الأرشيف الهائل الذي يحتوي على الندوات والمؤتمرات الدولية والمحلية عن المدينة وتاريخها ومبدعيها مثل الراحلين الدكتور عبدالسلام العجيلي، والشاعر والمؤرخ مصطفى الحسون، والشاعر فيصل بليبل.

والخوف أن يستمر القصف بعد أن تنفست المدينة من جديد، ولمست مذاق الحرية، وبدأ شبابها يعيدونها للحياة، فالنظام لا تعجبه المدن الحية.