حتى وقت قريب كنت أعتقد أن تويتر نسخة مصغرة عن الواقع، وما يحدث فيه، يعد انعكاسا حقيقيا لرأي الأغلبية، لكن التجارب المعاشة على أرض ذلك الواقع، تثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن تويتر يضم في الغالب أناسا موتورين مستأجرين، تم تجييشهم وشحنهم بشكل سوقي رخيص لخدمة قضايا معينة، وتصفية لبعض الحسابات الشخصية، التي عجز فيها الخصم عن المنازلة منفردا، ضعفا أو جبنا. يستثنى من ذلك شريحة يسيرة من المتوترين المعلومي الاسم والهوية، وهم يستخدمون تويتر كمنبر إعلامي توعوي، وهم يتحملون كامل المسؤولية عما يصدر عنهم من أقوال أو أفعال، وإن كان التنصل من المسؤولية، في حال حدث خطأ ما، أمرا ميسورا.
وتقع الإشكالية الكبرى في أن هذه المواقع لا تشترط الاسم الحقيقي، ولا أي معلومة ملزمة لصاحب الحساب يستدل منه عليه، فأصبحت الحرية لا مسؤولة، ودخلت التعاملات في إطار الأمن من العقوبة المؤدي إلى إساءة الأدب، وأصبح تويتر وسيلة للتهديد، يضغط بها على أية جهة ما، للاستجابة للمطالب المطروحة؛ فكثير من الشخصيات العامة على الإنترنت تشن عليها الكثير من الهجمات "التويترية"، وتنشأ لها "الهاشتاقات" المسيئة، وترمى بأقذع وأبشع الألفاظ، حتى يخيل لك أن المجتمع عبارة عن مجموعة من الوحوش الآدمية. لكننا نفاجأ في حضور هذه الشخصية المجتمعي الواقعي بعكس ذلك تماما، فهي تقابل بحب الجمهور وتفاعله الإيجابي، إلى درجة تثير الدهشة، ولعل ما حدث أثناء توقيع بدرية البشر لكتابها في معرض الكتاب بالرياض قبل يومين، خير دليل على ما أقول، فقد أحيطت بدرية بجمع غفير من المعجبات اللواتي حرصن على الحصول على الكتاب والإهداء من يد صاحبته، وهن يتبادلن معها الأحاديث والأسئلة التي تتناول جوانب كثيرة من سيرة حياة الكاتبة، بكل أدب وود واحترام، في مشهد راق يدل على رقي المثقفة والقارئة السعودية، ووعيها، سواء اتفقت مع الكاتبة أم اختلفت معها، واستمرت بدرية في توقيع الكتب حتى بعد انقضاء الوقت المخصص لها ونزولها من المنصة. فأين هم خفافيش تويتر؟ وأين هم المأجورون لتصيد أخطاء فلان أو تتبع سقطات علان؟ كلهم تبددوا في مواجهة الواقع الحقيقي، كما يبدد النور الساطع أوهام الظلام.