تسنى لي وبدعوة كريمة قدمها قسم التربية الفنية في تعليم عسير أن أحضر دورة تثقيفية متقدمة في خط "الثلث"، سيد الخطوط العربية وتاجها المرصع بالحليّ والزخارف والمتربع على عرش فنون الخط المتنوعة الأخاذة، لم يكن المدرب فنانا اعتياديا لقد تشرب رسم الخطوط منذ نعومة أظفاره ورفد ذلك كله بثقافة واسعة موثوقة المصادر والأسانيد، فالخط كما تعلمون يؤخذ كابرا عن كابر، وبين الخطاطين أعراف في تلقي الفن وتقدير الأساتذة فيه، بل والاحتفاظ بآثارهم كهيئة الكنز الذي ترمقه عين صاحبه ليل نهار، كان المحاضر الفاضل والخطاط البارع هو الأستاذ ناصر الميمون عميد الخطاطين السعوديين الذي أفنى عمرا امتد إلى ما يقارب الستين في اكتساب الخطوط بأنواعها، وتتبع مصادرها، والتتلمذ على الأساتيذ فيها حتى أتقن وبرع، ولقد شهدنا وشدهنا حقيقة حين أبهرنا يراعه وهو يكتب آيات كريمات وأقوالا مأثورة، وكأنما نراقب ضربا من السحر أو هو إلى السحر أقرب، فتوازنات الكتابة، ومقاسات الأحرف والاتكاءات ناهيك عن "الاستمداد"، وهذا مصطلح يعبر به عن طريقة غمس قلم "القصب" في دواة الحبر، فليس الأمر يسيرا كما كنا نعهد أو نتوقع.
تحدث الميمون عن أن أي خطاط لا يتقن "الثلث" فلا يعد خطاطا ولو أتقن بقية الأنواع كالنسخ والكوفي والرقعة والديواني وغيرها، على أن أي خطاط أتقن الثلث فهو خطاط بغض النظر عما إذا كان يبرع في بقية الخطوط أم لا. إنها القوانين والأعراف التي تخذها مبدعو الخط العربي منذ ابن مقلة مرورا بالأجيال المتعاقبة وصولا إلى الخطاط التركي العظيم حامد الآمدي الذي عكف على الكتابة حتى بلغ التسعين ينتج ويتعلم ويعلّم ويبدع.
وقد كنت أتساءل قبل البرنامج الذي سعدت به وأثناءه: كيف يمكن للخط العربي بوصفه فنا من الفنون العريقة أن يجد له مكانا في نفوس الناشئة وحتى الكبار اليوم في ظل هجمة الأجهزة اللوحية وغيرها والعزوف عن الإمساك بالقلم والورق، بعد أن أتاحت تلكم الأجهزة ما لا يتخيله عقل من الإمكانات الخطية واللونية والتعبيرية؛ حتى بتنا نعبر عن رؤانا وما نكنه من مشاعر بتلكم الوجوه الصفراء ذات الملامح المتعددة حزينها وضاحكها، ساخرها وباكيها؟
الجواب عندي ليس حاضرا بالطبع، غير أني أرمقه في عيون المبدعين من شداة الخط العربي، إنه الفنّ يا سيدي هذا العشق المتأصل في النفوس، الذي لن يتأتى لأي أحد، ولهذا هم نادرون كالأحجار الكريمة.