لم يعد العقل ـ أي عقل – قادرا على استيعاب ما يحدث في الإعلام المصري، ولم يعد المتابع المهتم بالتفاصيل الدقيقة قادراً على التمييز بين الوجوه والأفكار، فضلا عن تفسير أسباب الطيش والمعارك والصراخ وعدم احترام المشاهد وعدم احترام الذات.
نجوم تلفزيونيون جدد، متطرفون إلى الحد الذي يجعلهم على هاوية الهاوية، ليس لهم هم سوى تطويع كلّ النصوص والوقائع لخدمة أفكارهم، و"شرعنة" وجودهم، أو وجود من يؤيدونه، دون النظر إلى أن ذلك كله مندرج تحت "وهل أنا ألا من غزية....".
مفاجآت يومية، واحتقانات حوارية ـ تدخل بالنسبة إلى المتابع المحايد ـ في باب الكوميديا؛ نعم إنها الكوميديا التراجيدية الحوارية المصرية..
يالها من خلطة عجيبة، بعد أن مللنا إعادات "مدرسة المشاغبين"، و"العيال كبرت"، و"الزعيم"، والواد سيد شغال"، إذ لا كوميديا مصرية جديدة، سوى كوميديا الحوارات بين مؤيدي الأحزاب ومعارضيها، ومؤيدي معارضيها، ومعارضي مؤيديها، وو.... الخ.
إن ما يحدث في الإعلام المصري، من تراشق بالنبال اللفظية، واستقواء ـ كل طرف ـ بما لديه، ومن لديه، ومن الفتاوى الغرائبية المجانية التي تعتسف النصوص الشرعية اعتسافا من أجل تطويعها لرؤية الحزب أو الـ"قماعة"، ومن أجل تأليب العوام على المختلف، إلى حد وجود فتاوى بهدر الدماء والتكفير لمجرد أن المُكَفر ذو "رأي".
الداهية الدهياء، أن المتابع بات ينظر إلى هذا الطيش بوصفه مسلسلا، فما إن يخرج أحدهم بإحدى الغرائبيات على إحدى القنوات، حتى ينتظر الناس بلهفة طرائق التلقي، وأساليب السخرية، وما "البرنامج" الذي يقدمه باسم يوسف، ومثله "بني آدم شو"، لأحمد أحد أبناء آدم، إلا أدلة على استثمار التخبطات، وتحويلها إلى "ستاند أب كوميدي" من نوع خاص جدا.
السؤال الأهم: من أين خرج هؤلاء؟