أتيقن تمامًا بأن التعاطي مع اللغات وترجماتها ليس بالأمر السهل، بل إن التاريخ مدجج بأخطاء الترجمة، واستغلال لأطراف لا تعي تفاصيل اللغة، ولعل حادثة السكان الأصليين لنيوزلندا خير شاهد على هذا، المختزلة بقصتهم الشهيرة مع اتفاقيتهم على التعايش، والتي لم يكن يعلمون بماهيتها بسبب اللغة - كما يزعمون -!
وحتى نتحدث عن قضية اللغات، ومدى التخبط في دقة الترجمات، وأنسبها للاستخدام، بلغة محلية، مع الأخذ بالاعتبار أنني لست متخصصًا، ولكن "عابث" يفتش عن الحقائق، سأورد بعض الأمثلة الحية لهذا.. فعند زيارة موقع "البريد السعودي" الإلكتروني، وتحديدا عند حقل (تقفي الأثر) أو ما يعرف عالميًا بالـ"tracking number"، ستجد العبارات التالية: "تتبع أثر بعيثتك"، "يمكنك متابعة وضع بعائثك"، "البعائث المقتفاة".. وهو أمر يشعرك بأنك تنتظر رسالة من "الزير سالم" أو من "ابن عباد"..!
"الأحوال المدنية" هي الأخرى، لا تقل تخبطًا عن سابقتها، فعند البحث عن "نموذج" تسجيل "المواليد الجدد" على الموقع الإلكتروني، ستجد نموذجًا يحمل رقم (88)، يشعرك بـ(ذنب الولادة)، وكأنما الأمر "مصيبة"، لأنك ستجد الولادة تعتبر "واقعة" بحسبهم..!، لذا ستقابلك مثل هذه العبارات: "لا يقبل هذا الطلب إ? بعد مضي (15) يوما على حدوث الواقعة"، "المرفقات التي تثبت الواقعة"! وعند البحث عن معنى الواقعة في المعاجم، وجدت أن الوَاقِعَة هي "القيامة". ووجدت أيضًا أن الوَاقِعَة النازلةُ من صروف الدهر. والوَاقِعَة المصادمةُ، وهي اسم من الوقعة بالحرب، وهي الصَّدمةُ بعد الصَّدمة. ويقال: رجلٌ واقعةٌ : شجاعٌ. والوَاقِعَةُ (في الفلسفة): ما حَدَثَ ووُجِد.. فأيقنت وقتها أن النماذج "فلسفية" بحسب المعنى الأخير!
بالمناسبة، ما أوردته عاليًا لا يعني عدم صحة اللغة، وإنما عدم دقة الاستخدام، لأنه يجب أن تراعي شريحة المتلقين، وخلفياتهم، وهذه قاعدة رئيسية في التسويق والانتشار.. ونظرًا لأن الأمثلة كثيرة، والفتاوى "اللغوية" أكثر، فإني أهيب بالأخوة القراء، والأخوات القارئات، إلى "تقفي أثر" مثل هذه "الوقائع" في اللغة، ورصدها في قائمة "نسميها معًا": (قائمة الوقائع المقتفاة)..وتستمر الحياة.. تستمر الحياة! والسلام.