أكاد أجزم أن أيا من المثقفين من جميع الاتجاهات الفكرية والأدبية أو الأكاديمية، لن يصدق، لو قال له أحدهم قبل سنوات قليلة: إن المجتمع بكافة مستوياته الثقافية والاجتماعية في المملكة، سيتزاحم أمام بوابات معرض للكتاب كما يتزاحم ـ وربما أكثر ـ أمام مدينة ترفيهية أو مطاعم وجبات سريعة، بل قد يتحول الأمر إلى نكتة ساخرة، بسبب ما يلمسه الجميع من ابتعاد كبير عن الكتاب قراءة وتأليفا وصناعة في وقتها.

لكن من يشاهد ويلمس عن قرب تدافع المناكب في معرض الرياض الدولي للكتاب في دورته الحالية والسابقة، يستطيع الخروج بتصور عام عن أن الأمر لم يعد مجرد بيع كتاب. فالأمر تحول إلى فعل اجتماعي يمارسه الطفل والشيخ الكبير في السن في موازاة المثقف أو الأكاديمي بصفتهما من الفئتين الأقرب للتأليف والقراءة. وبمناسبة ذكر الحشود الكبيرة التي تتوجه للمعرض، شاهدت رسما كاريكاتوريا في إحدى الصحف المحلية يصور جميع زوار المعرض متجهين إلى المطاعم الموجودة في المعرض، ولا يوجد أحد منهم أمام دور النشر! وعلى الرغم من أنني أدرك أن فنا ساخرا مثل الكاريكاتير، يعتمد على المبالغة في وصف الظاهرة لإيصال الرسالة بشكل أقوى، إلا أنني أختلف مع الفنان المبدع ولاشك. فمن زار المعرض سيجد ازدحاما شديدا خصوصا في بعض دور النشر التي تبيع كتبا تلامس الهموم الفكرية والاتجاهات السياسية والحقوقية. أما الدور التي تحوي كتبا ضعيفة أو سطحية المحتوى، فإن المؤكد أنها ستخرج قريبا من سوق النشر،لأن الزمن تجاوزها، ولم تعد كتبها التي تهتم بالطبخ وما شابهه من مؤلفات، تجد الرواج الذي كانت عليه في سنوات سابقة.

لاشك أن هذا الإقبال على الكتاب مؤشر صادق على أن مجتمعنا يمر بتحولات فكرية مهمة وربما مصيرية، تستلزم أن يعيها صانع القرار في كل مجالات الحياة، ويتعامل معها بما يناسب تطوير فكر وسلوك المجتمع، وطريقة تعامله مع جميع قضاياه اليومية، الصغير منها قبل الكبير. كذلك النظر إلى وسائل التحديث والإصلاح لجميع الأنظمة القائمة، والتيقن من أن بؤر الفساد التي تنخر بعض المؤسسات الحكومية الثقافية والتعليمية، لم تعد خافية على أحد. وأن الأجيال القادمة ستعزلها عن الحياة، إن لم تلبِ متطلبات ورؤى العصر الحالي.

إذن فمعرض الرياض الدولي للكتاب، ليس مجرد سوق للكتاب والمعرفة، إنه فعل تنويري حقيقي، تجتمع فيه الأضداد الفكرية والتيارات المتصارعة ثقافيا واجتماعيا، وهو ما يندر أن تجده في أي مكان آخر. ويجب النظر له باهتمام أكبر إن أردنا نهضة فكرية واجتماعية.