وعودة إلى لغة الأرقام: كل المجتمع والإعلام يتحدثون عن آلاف المشاريع المتعثرة بل أيضا عن المئات من هذه المشاريع التي أكملت المدة النظامية للانتهاء دون أن تبدأ بعد. خذ مثلا أن (رعاية الشباب) أصبحت علامة وطنية لافتة لأنها اكتفت من كل مشاريعها بلوحة المشروع، وعلى مسؤوليتي، فقد رصدت لها ثلاث لوحات في ثلاث مدن والصدأ يأكل هذه اللوحات للسنة الثالثة. وكل البراهين تشير إلى أن لدينا خللا في علم الإدارة. وأمامي الآن على الشاشة الإلكترونية نسخة المجلة الأميركية الأولى في (علم إدارة المشاريع) وهي تقول المعادلة التالية بالحرف: (كل مشروع إنشائي يحتاج إلى ما لا يقل عن 10% من قيمة المشروع للكوادر الإدارية المشرفة عليه من أجل ضمان التوقيت والجودة).
نحن على النقيض: بلدية مدينتي التي تتباهى بميزانية للمشاريع تناهز المليارات السبعة اليوم، تدير هذه المشاريع وتشرف عليها برواتب بضعة عشر موظفا تراقب وتشاهد هذه المليارات السائلة. جامعتي تفشل للعام الثامن على التوالي في القبض على قاعة واحدة من بين مشاريع بأكثر من المليارات العشرة. يجاهد الصديق النظيف الأمين، الدكتور أحمد النعمي، متحملا بأمانة وطنية تندر في هذا الزمان مسؤولية المدينة الطبية، وكم أشفق عليه من أحلام الشريف النزيه بذات الإمكانات البسيطة بين يديه لإكمال هذا الحلم. نحن هذا العام نكمل عامنا السادس للطفرة الجديدة التي أخرجت للواقع وللورق أيضا عشرات المشاريع الاستراتيجية لكن (القبض) لم يكن على مستوى هذه التكلفة الباهظة ست سنوات من هذا المال الهائل، ولله الحمد والمنة، لم تلد سوى ست سنين مرادفة من الكساد في القبض على هذه المشاريع، ومن المؤكد أن هذه السنين كافية لنفض أيدينا من مرارة التجربة. نحن بحاجة إلى ثورة وطنية في عالم الإدارة تنتقل بإدارة مشاريعنا الوطنية من (علم الإدارة العامة) إلى عالم (إدارة الأعمال) وقد كتبت هذا في مرات عديدة.
نظامنا الإداري الحكومي الحالي يبرهن أنه لا يستطيع تجاوز أسقف التشغيل والصيانة. هو بكل البراهين والسنين لا يستطيع الإدارة والإشراف على كل هذه المشاريع المليارية لأننا نحمل (الماطور) أكثر مما يحتمل. نحن مع هذه (البيروقراطية) تماما مثل من يحاول تجريب فكرة اشتراكية في دبي أو سنغافورة. الاقتصاد الهائل الضخم لا تديره مبادئ (الإدارة العامة).