"الأغاني الوطنية" عمل مراوغ يجعلك أمام مفترق طرق شعورية، حيث تتساءل هل أنا أمام عمل فني مجرد أم مهمة وطنية؟ أغان قليلة هي التي تستطيع نزعك من هذه الحالة لتنقلك إلى ذاكرتك وروحك وقبل ذلك بلدك. السعوديون شديدو الرسمية في أغانيهم الوطنية، ولولا مهرجان الجنادرية لربما توارت واضمحلت رغم جيوش المبدعين في مختلف المجالات. أعمال قليلة يمكن تذكرها بهذا الصدد ولا أعرف الأسباب، ويا ليت تتبنى وزارة الثقافة والإعلام مشروعا لبعث هذا النمط وتدعمه بأفكار وتكليفات بدلا عن جهود ذاتية هنا وهناك ترتبط بتوقيت زمني وتنتهي بانتهائه، فالمسألة ملحة والأعمال التي تقدم يزداد تراجع مستواها نوعيا. المصريون لهم مدرستهم الراسخة، هم أكثر شفافية، علاقتهم بالأرض والناس حميمة ومباشرة تحفل كلماتها بالعتاب والشوق، غالبا ليست منفرة أو مزعجة أو ذات إيقاع فخم باستثناء أغاني المرحلة الناصرية التي تأثرت بالفهم الاشتراكي الذي يعسكر الفن، كما أن الظروف السياسية والمعارك المندلعة حينها فرضت ذلك لكن سرعان ما عاد المصريون أكثر رقة وجمالا وكأنهم يتراجعون عن خطأ ما أحيانا، ومن فرط بساطة مفردات أغانيهم الوطنية تشعر كما لو أنها كتبت للأطفال وهذا لا يعيب.. في حين أن فيروز غنت للبلاد العربية وكانت تركز على عراقتها في التاريخ، والمدن هي التاريخ، لذا غنت لمكة وبغداد ودمشق وعمان والقاهرة، وإذا ذكر لبنان في الأغنيات فقد أنجز غسان صليبا ـ الذي لم ينل شهرة خارج بلده ـ في عمل واحد ما لم تنجزه أرتال من المطربين، طبعا بعيدا عن فيروز وصباح. أما الأغنية الوطنية الأردنية فهي أقرب إلى الكرنفال الشعبي وطابعه الاحتفالي لكن لا شيء يرسخ، في الكويت اختصر الثلاثي عبدالله العتيبي وغنام الديكان وشادي الخليج المهمة وتصدوا لغالبية المناسبات الوطنية، لكن تبقى مشكلة الأغاني الوطنية عموما ارتباطها بتواريخ وأحداث زمنية محددة تحيلها إلى الأرشيف، لكن في الوقت عينه ما قيمة الأعمال الوطنية إن لم ترتبط بالتواريخ والأحداث المهمة لبلد ما؟