بمناسبة أسبوع المرور الخليجي منذ أيام، وصف أحد المسؤولين في المملكة حوادث المرور بأنها "إرهاب شوارع"، وساق مدللا على كلامه إحصائيات مخيفة. ففي 2011، قُتل في تلك الحوادث (7,153) بين رجل وامرأة وطفل، بمعدل عشرين كل يوم، وخلال عشرين عاما قتلت الحوادث (86) ألفا. أما المصابون فقد تجاوز عددهم (68) ألفا في 2011، كانوا يشغلون 30% من أسرة المستشفيات.

وبالنظر إلى حجم الخسائر البشرية فإن الحالة أشبه بحرب نظامية منها بالإرهاب. ومع الأسف، فقد تعودنا على أسلوب للقيادة، يتسم بالمخاطرة، ويستخف بأنظمة القيادة، كما تعودنا على طرق لا تتوفر فيها جميع وسائل السلامة، وقبلنا بمستويات من العناية الطبية للتعامل مع الحوادث لا تتلاءم مع المستوى التنموي الذي وصلت إليه المملكة.

وأذكر أنه في إحدى الأمسيات خلال إقامتي في نيويورك أخذت سيارة أجرة من (جرينتش فيلِج) إلى شمال المدينة، وكان مشوارا عجيبا حتى بمقاييس سائقي نيويورك، إذ انطلق السائق بسرعة مخيفة في الجادة السادسة، ينتقل من مسار إلى آخر دون إنذار، ويقذفني مع كل تغيير نحو اليمين ونحو الشمال، ويقف فجأة لدى الإشارة، ثم تقفز السيارة بعد الإشارة بسرعة مرة أخرى، وصرير الفرامل والعجلات كل مرة يثير انتباه السيارات الأخرى والمارة. وطلبتُ من السائق أن يهدئ سرعته، وسألته، متّهما، أين تعلم كيف يقود سيارته؟ فقال إنه كان سائق سيارة في جدة، واضطر إلى تعلم هذا الأسلوب لكي يتمكن من أداء مهامه، وهو يتبع نفس الأسلوب في نيويورك. وبالطبع، شعرتُ بالحرج وتوقفتُ عن انتقاده.

وعودةً إلى تصريحات المسؤول، الذي قال إن عدد الحوادث والإصابات قد وضع المملكة في المركز الأول عالميا في عدد الحوادث والإصابات والوفيات.

وبالفعل، إن كانت الأرقام دقيقة، فإنها تجعلنا في المركز الأول دون منازع. ولنأخذ عدد الوفيات فقط. ففي اليابان، وتعداد سكانها أربعة أضعاف ونصف تعداد المملكة، قتلتْ حوادث الطرق (5,449) شخصا في 2011، مقارنة بـ(7,153) في المملكة. وفي ألمانيا، وسكانها ثلاثة أضعاف سكان المملكة، قُتل (4,002) في حوادث الطرق. وفي بريطانيا، بضعف سكان المملكة، قتل (1,960) في حوادث الطرق في ذلك العام.

ولتسهيل المقارنات الدولية، يجب أخذ حجم السكان بعين الاعتبار، ولذلك سنحسب عدد وفيات الحوادث منسوبة إلى عدد السكان. ووفقا لذلك، وباعتبار سكان المملكة (28.4) مليون نسمة في 2011، يمكن القول إن عدد وفيات حوادث الطرق فيها بلغ (252) وفاة في كل مليون من السكان. وهذا المعدل هو خمسة أضعاف معدل ألمانيا التي بلغ عدد قتلى الطرق فيها (49) لكل مليون، وستة أضعاف معدل اليابان، وثمانية أضعاف معدل الوفيات في بريطانيا.

ولنقارن الوضع بأستراليا والولايات المتحدة، اللتين تشبهان وضع المملكة من حيث كونهما دولا مترامية الأطراف. ففي العام نفسه، كان معدل قتلى الطرق في أستراليا (57) لكل مليون من السكان. وفي الولايات المتحدة الأميركية، بلغ المعدل (105) وفيات في المليون، أي بلغ معدل الوفيات في المملكة خمسة أضعاف معدل أستراليا، وضعفين ونصف معدل الولايات المتحدة.

وكما ترى فإن الصورة قاتمة بأي معيار، ولكن من الناحية الأخرى فإن معدلات الحوادث والوفيات (على وجه الخصوص) آخذة في الانخفاض في عدد من الدول الصناعية، بسبب الجهود الرسمية والحملات الشعبية لتخفيضها. ولذلك فإن نجاح تلك الدول في تخفيضها يجب أن يمنحنا الأمل بأن من الممكن السيطرة على الوضع، بالاستفادة من الخبرات الدولية لمعالجته.

وليس من المفيد تبسيط الأمور ومحاولة اختزال الأسباب، أو توجيه التهم. فالمشكلة معقدة، تشمل بالإضافة إلى السرعة وحالة الطرق، تعليم القيادة، والبيئة القانونية، والثقافة المرورية، وإمكانات التنفيذ، بالإضافة إلى العوامل الثقافية والاجتماعية. وفيما يتعلق بالوفيات على وجه الخصوص، فثمة قضايا أخرى تدخل في الحسبان، مثل سرعة استجابة الطوارئ، وإمكانات الإسعاف والإخلاء الطبي والعناية الطبية في المناطق النائية، حيث يقع كثير من الحوادث.

وكما رأينا فإن حوادث الطرق تضع عبئا كبيرا على نظم العناية الصحية والطبية، فحسب الإحصاء الرسمي الذي أشرتُ إليه، يشغل المصابون في حوادث الطرق 30% من أسرة المستشفيات. ولذلك فإن تقليل الحوادث سوف يخفف العبء على المستشفيات والمراكز الصحية، فعندما، لا سمح الله، تكون في زيارة لغرفة الطوارئ أو المستشفى، تصور كم من الإمكانات الطبية يمكن توفيرها لو تمكنا من السيطرة على حوادث السيارات وتخفيض عددها إلى معدلات معقولة.

وبالنسبة للتكلفة الاقتصادية للحوادث، فإن علماء الاقتصاد توصلوا إلى طرق مبتكرة لحسابها، وهي تختلف في تقديراتها، خاصة فيما يتعلق بالتكاليف غير المباشرة، مثل تكلفة الإدارات الحكومية التي تتعامل مع الحوادث، ووقت العمل الضائع بسبب الحوادث والإصابات، وتكاليف خسارة الاقتصاد الكلي الناتجة عن الوفيات والإصابات.

وتستخدم الولايات المتحدة على وجه الخصوص طرقا متقدمة لحساب تكاليف حوادث السيارات، وهي تختلف اختلافا واسعا في تقديراتها. وفي تقرير أعدته جمعية السيارات الأميركية وقدمته إلى الكونجرس في 2011، قدرت تكاليف الحوادث بنحو (300) مليار دولار سنويا، وهو من أعلى التقديرات. وقياسا على ذلك، وباعتبار سكان المملكة يساوي نحو عُشر سكان الولايات المتحدة، وعدد الحوادث فيها ضعفان ونصف، فإن تكلفة الحوادث في المملكة قد تصل إلى (75) مليار دولار سنويا.

ولهذه الأسباب، واعتبار الخسائر البشرية والاقتصادية الفادحة، فإن كوننا قد وصلنا إلى المرتبة الأولى بين دول العالم في معدلات الحوادث، والوفيات، والإصابات، وحينما تصل تلك المعدلات إلى أضعاف مثيلاتها في الدول الأخرى، فإن الأمر يتطلب مناقشة متأنية تشارك فيها جميع الجهات ذات العلاقة، تحلل الأسباب والتكاليف، وتضع خارطة طريق للسيطرة على هذه المأساة الوطنية التي وصلت آثارها إلى كل منزل، وشملت الكبار والأطفال، المواطنين والوافدين، الحجاج والزوار.