أطلقت غرفة الرياض بالتعاون مع وزارة التجارة وأمانة مدينة الرياض حملتها التوعوية: "ويل للمطففين" ضد ممارسي "الغش" التجاري لحماية المستهلكين وتعزيز سمعة رجال الأعمال الشرفاء. هذه المبادرة الجميلة أتت بالتزامن مع تصريحات وزارة الصحة المتضاربة عن قرب وبعد إقرار التأمين الصحي الشامل للمواطنين لتستمر ضبابية وغموض دراسات مجلس الخدمات الصحية ومجلس الضمان الصحي التعاوني الخاصة بهذا الشأن بعيدا عن أصحاب الشأن: المواطنين وأطبائهم وبقية الطواقم العلاجية والإدارية الصحية. هذا التكتم والتخبط في التصريحات عن سير عمل دراسات التأمين الصحي الشامل والتي تراوحت ما بين خمسة أشهر لخمس سنوات يقودنا للمطالبة بنسخة صحية من حملة "ويل للمطففين" ولعل وزارة التجارة تقوم بها، حيث إننا لا نعلم إن كان سيتم رمي المواطنين لأفواه شركات التأمين الصحية التجارية، ولا نعلم شيئا عن جودة النظام الصحي الحكومي والخاص، ولذلك نحن بحاجة لحملة ضد الغش الصحي قبل أن يبدأ ويستشري.

النسخة الصحية من "ويل للمطففين" تبدأ بنشر تقارير جودة الخدمات المقدمة من المستشفيات العامة والمتخصصة والخدمات الصحية الأخرى، كالخدمات التأهيلية والعلاج المنزلي وغيرها. لم تنشر تقارير الجودة الصحية مع وجود مجلس مركزي لاعتماد المنشآت الصحية، والذي يعمل تحت مظلة مجلس الخدمات الصحية، ولعله السبب في عدم نشرها. هذه التقارير لم تر النور مع وجود إدارة عامة للجودة وسلامة المرضى في وزارة الصحة وإحدى مهامها إعداد التقارير الدورية وقياس رضا المستفيدين ومقدمي الخدمات بالوزارة. هذه التقارير لم تر النور على الرغم من وجود مجلس الضمان الصحي التعاوني، والذي من مهامه الإشراف على شركات التأمين الصحي وأدائها. هذا الغياب للتقارير يعود لسبب رئيس، وهو عدم استقلالية أي منها وتداخلها وترابطها بشكل لا يساعدها على انتهاج الشفافية، حتى وإن أراد بعض أفرادها أو لجانها ذلك.

مرت المملكة المتحدة بسيناريو مشابه، حيث كانت مراقبة جودة الخدمات الصحية مشتركة بين ثلاث جهات مختلفة وغير مستقلة عن وزارة الصحة، مما دفع الحكومة إلى أن تنشىء هيئة مستقلة في العام 2009 لتنظيم ومراقبة خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية، وبدأتها في إنجلترا. تقوم هذه الهيئة بمراقبة الخدمات الصحية المقدمة من القطاع الحكومي والخاص وحتى المنظمات الصحية التطوعية، أيا كان موقع هذه الخدمات، سواء بالمستشفيات أو خارجها. هيئة الجودة الصحية تفخر باستقلاليتها وتعي أن أداءها وتقاريرها عرضة للمساءلة من قبل المواطنين والبرلمان ووزير الصحة.

عند زيارة الموقع الإلكتروني الخاص بهذه الهيئة فإن أول جملة تقابلك هي أن وظيفتهم التحقق من أن المستشفيات، دور الرعاية الصحية وبقية الخدمات الصحية المختلفة في كافة أرجاء إنجلترا تلبي المعايير الصحية الوطنية للجودة والسلامة. الرمز البريدي أو اسم المستشفى أو موقعك هو كل ما تحتاجه لمعرفة جودة الخدمات الصحية من حولك، بل وحتى يتم إخبارك إن كان أحد مقدمي الخدمات الصحية في منطقتك يخضع حاليا للمراجعة والتقييم. لا تقف خدمات هيئة الجودة الصحية عند ذلك، بل تتجاوزها لتطلب رأي المستفيدين من الخدمات، وتدعو العديد منهم ممن تطلق عليهم "خبراء التجربة"، أفرادا أو جمعيات أهلية صحية، لجلسات نقاش واستماع لاحتياجاتهم ولرؤيتهم عن كيفية تحسين مستوى الخدمة في منطقتهم. تقوم هذه الهيئة بنشر تقارير أسبوعية وشهرية عن جودة الخدمات الصحية على خريطة تفاعلية لتظهر المدينة واسم المنشأة وجودتها ورابط لتقريرها المفصل. لمهام هذه الهيئة شق آخر يختص بالمنشآت الصحية التي تقوم بمراقبتها وتقييم جودة خدماتها بتزويدها بطرق التسجيل للاعتماد، كما يحصل لدينا ولكن بإضافة مهمة وهي خاصية "نافخ الصافرة" والتي تدعو موظفي هذه المنشآت للتبليغ بشكل سري عن قلقهم بخصوص الخدمات الصحية المقدمة من دون أن تطالبهم بإثباتاتهم الشخصية أو تقديم أدلة، فهي تعي أن هذه الشروط غالبا ما تطالب بها الهيئات العاجزة عن القيام بمهامها الرقابية تحت عذر الشكاوى الكيدية.

إنشاء هيئة لجودة الخدمات الصحية مطلب ضروري ومهم في الفترة الحالية ويبدأ بنشر تقارير جودة الخدمات الصحية في المملكة من قبل مجلس الخدمات الصحية ولجانه المتعددة كخطوة تدل على نية صادقة وشفافة لتحسين الوضع الصحي. نشر تقارير جودة الخدمات الصحية يعد خطوة مهمة لنشر التنافسية بين مقدمي الخدمات الصحية وتمييز الجيد من السيئ قبل إقرار التأمين الصحي الشامل، والأهم أنه خطوة مركزية لتوعية المواطنين بآلية قياس جودة الخدمات وتهيئتهم للقيام بدورهم الفاعل متى ما أنشئت هيئة جودة الخدمات الصحية. فيما عدا ذلك فإن المواطن سيصبح مجرد سلعة مطففة انتقلت من ميزان النظام الصحي الحالي لميزان شركات التأمين الصحي التجارية.