في الوقت الذي يبتهج فيه المجتمع الثقافي بقرار وزير الثقافة والإعلام برفع الحظر عن روايات الدكتور غازي القصيبي وفسحها إعلاميّا لتأخذ مكانها "رسميا" في مكتبات المملكة؛ فإن هذا الابتهاج يأتي ومعه أسئلة عالقة عن مدى جدوى المنع خاصة أن كثيراً من الروايات السعودية التي تُطبَع في الخارج ويشملها الحجب "الرسمي" ـ فيما عدا إطلالة بعضها المؤقتة في معرض الرياض الدولي للكتاب ـ تجد طريقها للقارئ المهتم والعام، فضلاً عن عديد الطبعات التي ينالها قسمٌ من هذه الروايات وتصدّرها قائمة الأكثر مبيعاً. ولن تستهدف هذه الطبعات المتكاثرة إلا القارئ المحلي متجاوزة عتبة الرقابة والمنع، فلم يعد الكتاب قنبلة ولا متفجرة تستدعي اليقظة الحديدية من رجال الجمارك أو رجال البريد. بما يعني أن الحظر ينتمي إلى لحظة تاريخية كان فاعلاً فيها حيث الحدود الصلبة المصمتة لا تمر عبرها لا الكتب ولا الأفكار. تلك اللحظة بفائض العزلة تهشّمتْ إلى غير رجعة، وباتت معها الحدود سائلة مرنة، وأضحى ما يحدث هنا أو هناك وما يُكتَب في أية بقعة في العالم من السهولة بمكان الاطلاع عليه وتمريره وإشاعته جماهيريا بضغطة زر، بما لا سبيل للرقيب ولا يد له على منعه. هذا ما يصنعه الخطاب الإلكتروني باقتدار إلى درجةٍ لا تصمد أمامها الرقابة بشكلها المؤسساتي الرسمي أو بشكلها الاجتماعي، حتى إن بعض الباحثين يشير إلى زوال الرقابة من دائرة الفعل وإنْ بقيت مصطلحا متداولاً عند الجهات الرسميّة؛ يبرّر الوجود والعمل (؟!).

إنّ الخطوة الحميدة بقرار فسح كتب الدكتور القصيبي، لا نريد لها أن تكون استثناء ومفردة يتيمة استدعاها ظرف محدّد يرتبط بالشخصية فقط. فإذا كان الأمر كذلك فإن القرار لم يذهب بعيدا وسيبقى أشبه بجملة اعتراضية ناتئة عن السياق وسرعان ما يبتلعها هذا السياق ويتبدّد أثرها. وعندما نقول السياق فإنما نعني منطق الحجب والمصادرة والوصاية على القارئ، بمسطرته التي تحدّد ما هي "المنطقة الآمنة" التي يقرّر معها الرقيب، وفق تقدير ذاتي أو تحت إلحاح حرّاس الأفكار من خارج المؤسسة الرسمية، ما هو جديرٌ بالفسح من عدمه.

إن القائمة من الكتب التي طاولتها مسطرة المنع لا تحتوي على كتاب واحد يمكن تدبّر أسباب منعه وتفهّم دواعي حظره لموجبات سياسية أو لتهديده السلم الاجتماعي وضربه النسيج المجتمعي. القائمة زاخرة بالأعمال الإبداعية سواءً تلك التي انطوت على قيمة فنية حقيقية أو تلك التي تصعد الموجة وتستغل نجاح نوعيّة معيّنة فتركّب عليها ما تستطيبه السوق الاستهلاكيّة بمعدة تطحن ولا تكف عن طلب المزيد.

ومهما يكن من اختلاط القيمة التي يمكن فرزها نقديّا واستحالته بمنطق يأتي من خارج خيمة الإبداع؛ فإن رفع الحظر عن الأعمال الإبداعية، وسواها من أعمال فكريّة، يمثّل استيعاباً للتحوّل العام الذي تعيشه المملكة اجتماعيا وثقافيا. كما أنه يرفع الغطاء عن الكتابات الضعيفة التي لا تجد إقبالاً وتهافتا من القراء إلا لأنها ممنوعة.