كتبت في هذه الصحيفة في عام 1429 هـ مقالا بعنوان: "تساؤلات حول أزمة المياه"، وقبل عامين كتبت مقالا آخر بعنوان: "تحلية عسير إلى أين؟"، وفي كلا المقالين ناقشت أزمة المياه التي تعاني منها منطقة عسير بدرجات كبيرة بين الحين والآخر، وحقيقة الأمر أن أزمة المياه في منطقة عسير مستمرة، وستستمر لكثير من الأسباب التي لا تخفى؛ فمنطقة عسير من المناطق التي بها كثافة سكانية كبيرة، ومتطلبات السكان على المياه تتزايد بشكل تصاعدي خاصة عند تأخر هطول الأمطار على المنطقة التي تشكل رافدا للمياه التي تتم تحليتها من البحر، أو من سد وادي عتود، كما أن مستوى المياه الجوفية بالمنطقة منخفض - إن لم يكن معدوما - لأن مصدر هذه المياه الأساس، والوحيد هو الأمطار، ففي حالة تأخر نزول المطر لا يمكن تعويض المياه الجوفية، فأغلب الآبار - إن لم تكن جميعها - جافة ولا توجد بها قطرة ماء، كما أن السدود في المنطقة لا يوجد بها ماء، وإن كان بها ماء فهي كميات قليلة جدا، ولا تذكر وغير صالحة للاستخدام الآدمي، معالي الوزير طوابير الانتظار للحصول على صهريج ماء طويلة جدا، وتشكل معاناة حقيقية للمواطن والمقيم، وقد يمكث الفرد يومين حتى يحصل على 16 طنا من الماء، وأزمة المياه موجودة في الحالات العادية، فماذا سيكون عليه الحال في حالة حدوث خلل بسيط في خط النقل للمياه؟

إن المرحلة الثالثة للتحلية في منطقة عسير التي تم صرف النظر عنها لقناعتكم بعدم الحاجة لها لم تعد خيارا، بل هي مطلب أساس في ضوء الوضع الحالي، والأزمات المتعاقبة، ولعدد من الأسباب التي منها: المرحلة الأولى من المشروع لا تسهم بدرجة كبيرة في تزويد المنطقة بالمياه كما يتوقع منها فعمر هذه المرحلة الافتراضي قد انتهى، ولا يعتمد عليها بدرجة كبيرة، كما أن المرحلة الثانية من المشروع لم تعد كافية لتغطية الاحتياج الحالي، والمستقبلي نظرا لكثرة الطلب على المياه لأن المصدر الوحيد للمياه في المنطقة هو مياه التحلية، هذا بالإضافة إلى أن مياه السدود لا تمثل حلا يمكن الاعتماد عليه كمصدر للمياه حيث إن ذلك مرتبط بهطول الأمطار على المناطق التي تغذي هذه السدود، معالي الوزير هناك خطط طموحة للوزارة لتوصيل المياه المحلاة إلى جميع محافظات منطقة عسير، وهذه خطوة رائعة وفي الاتجاه الصحيح، ولكن هل صاحب هذا التوجه، والتوسع خطة إستراتيجية طويلة المدى لزيادة كميات المياه المنتجة؟ فإذا كانت القناعات التي لدى معاليكم تؤكد أنها كافية، فقد ترون الحصول على معلومات شاملة عن المنطقة، وسكانها، ومشاريعها التنموية المختلفة التي تعاني من أزمة مياه في الشتاء، فما سيكون عليه الحال في الصيف؟ وفي ضوء طلبات المصطافين المتزايدة كل عام، وفي ضوء التوسع في توصيل المياه إلى مناطق أخرى في المنطقة، معالي الوزير إن المرحلة الثالثة التي تم صرف النظر عن مشروعها في السنوات الماضية والتي كانت مخصصة للمنطقة في ضوء دراسة علمية هي الحل الوحيد لاستمرار توفير كميات من المياه، وهي الحل الرئيس لمشكلة المياه في منطقة عسير؛ فالبدائل الإستراتيجية التي ذكرها معاليكم في أكثر من موقف بدائل موقتة، ولا يمكن الاعتماد عليها بدرجة كبيرة.

رسالتي للوزارة ولمعالي الوزير - وفقه الله تعالى - أن يعيد النظر في المرحلة الثالثة لتحلية المياه في منطقة عسير؛ لأنه الحل، والحل الوحيد الذي سيوفر المياه للسكان في جميع محافظات المنطقة مترامية الأطراف، وفي ضوء التوسع العمراني، والاقتصادي، والسياحي، والمنطقة تترقب قرار إعادة النظر في المرحلة الثالثة لتحلية المياه بالشقيق، والتوجيه بالبدء الفوري في هذه المرحلة التي هي مطلب ملح كما ذكرت في مقدمة مقالي هذا، وبعدم دعم المحطة بهذه المرحلة سيكون هناك كارثة مياه في المنطقة لا سمح الله، إن قناعة معاليكم بأن مصادر المياه متوافرة وبكميات كبيرة شيء مقدر، ولكن قد يكون ذلك في وقت زيارتكم، ولا بد من الوقوف على وضع التحلية، وتوافر المياه في المنطقة في أوقات مختلفة من العام، فالمرحلة الأولى والثانية من التحلية، ومياه السدود في المنطقة لم تعد كافية بالشكل الذي تتوقعه، فالمرحلة الثالثة من التحلية التي صرف النظر عنها قد تجنب المنطقة أزمة مياه متوقعة في القريب العاجل.