قد يصل الإنسان إلى القمر ويصنع الصاروخ والطائرة، ولكنه يبقى عاجزا عن وضع الأصول والقواعد التي يجب أن تسير عليها الحياة! حتى مبادئ العدل والصلاح لا يمكن أن يصل إليها الإنسان بمحض اجتهاده بشكل متوافق مع حاجاته وفطرته ما لم يكن اهتدى إليها من خالقه وصانعه.
إن أي متخصص في الشريعة والقانون يدرك الكثير من مبادئ القانون الوضعي الحديث لدى الغرب التي جاء بأصلها الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنا! بل حتى مع عمق الدراسات الغربية وإتقانها إلا أنه لا يزال لديهم الكثير من القواعد القانونية التي تتناقض مع العقل السليم ومبادئ العدالة الربانية، وهذا يتضح في أمثلة كثيرة، خاصة إذا استعرضنا بعض أصول الرأسمالية أو الاشتراكية.
أعجبني مبدأ قانوني شهير لدى الغرب بشقيهم الذي يعمل بالنموذج القانوني الإنجليزي وكذلك النموذج اللاتيني، وهو مبدأ الإثراء غير العادل Unjust Enrichment ، أي أنه لا يحق لأحد أن يحصل على إثراء بشكل غير عادل. وهو مبدأ موجود لدى فقهاء المسلمين قبلهم - من حيث الأصل - وستأتي إشارة لذلك.
سأضع مثالا كي يتضح المبدأ طبقا للقانون الإنجليزي، وهو كما لو حصل مقاول على عقد، ثم تعاقد هذا المقاول مع شخص آخر بالباطن في عمل محدد، ثم قصّر المقاول في تقديم خدمة معينة يحتاجها مقاول الباطن لإنهاء عمله، فقام الثاني بها وأنفق عليها من حسابه الخاص، بالرغم من أن المقاول لم يطلب ذلك منه ولم يتعاقد معه عليه، ولكنه أنجزه كي يتمكن من إنهاء عمله حيث يترتب عليه، ففي هذه الحالة بإمكان الثاني مطالبة الأول على حصوله على مقابل لهذا العمل، وهذا على أساس المبدأ القانوني الإثراء غير العادل.
ولكي يكون المدعي بإثراء الخصم غير العادل مستحقا للتعويض، يجب أن تتحقق عدة تساؤلات؛ منها التأكد من أن المدعى عليه قد حصل على إثراء فعلا، وأن ذلك الإثراء حصل عن طريق إنفاق المدعي، وأن ذلك الإثراء كان غير عادل، وأنه لا يملك دفاعا ومبررا مقبولا، ثم بعد ذلك يتم البحث عن التعويضات المتوفرة التي يمكن أن يحصل عليها المدعي.
كما إن لديهم مبدأ آخر أساسه "الإثراء غير العادل" وهو The Restitution وهو نوع من التعويضات له شروط خاصة، حيث يمكن للمدعي طلب التعويض من خلال تعويض الضرر الفعلي الذي حصل له أو من خلال تعويضRestitution (له الخيار بأيهما أحظ له)، حيث يمكنه من خلال الأخير المطالبة بالأرباح التي حققها المدعى عليه من خلال فعله في المدعى، (وهذا المبدأ له شروط وأحوال محددة لديهم)، وهذا مبني أيضا على مبدأ الإثراء غير العادل.
هذان المبدآن في الحقيقة يؤسسان لقاعدة مهمة، وأرجو يعيد فقهاؤنا النظر فيها، فالتعويض لدينا ليس إلا على رأس المال بشكل عام، خاصة في النقد (هناك فرق بين النماء المنفصل والمتصل، وبين نماء النقد والثمرة وغيرها)، أو على تعويض الضرر المادي غالبا وليس على الإثراء. فلو أن شخصا أخذ مالا من آخر بشكل غير مشروع، ثم استثمره وحصل على مكاسب كبيرة، فإنه لا يحق للمالك الحقيقي للمال أن يطالب بما زاد عن رأس ماله إلا من خلال أحوال ضيقة. وبنظري أنه يجب إعادة بحث هذه المسألة جيدا، فالفقهاء في هذه المسألة كانوا يركزون على الضرر فقط، ولم يكونوا يتناولون موضوع الإثراء (وإن كانوا تطرقوا له بلا شك).
وبنظر سريع للمسألة نجد مثلا حديث ابن اللتبية الشهير الذي استعمله الرسول عليه الصلاة والسلام على الصدقات عندما قال: "هذا مالكم وهذا هدية" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا". والشاهد منه أنه عليه الصلاة والسلام لم يبح له الحصول على المال "الإثراء" بطريق غير عادل. كما أن هناك الآية الكريمة التي تقول: "يَا أَيها الذِينَ آمنوا لا تَأكلوا أَمْوالَكم بَينَكم بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارة عَنْ تَراض منكم"، والحديث الآخر "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"، وبنظري أن نماء الأصل تبع له، والأدلة لا يمكن حصرها هنا. السؤال عندما يماطل أحدهم بمال آخر ويستثمره ربما لسنوات، بأي حق يبقى هذا الإثراء لدى ذلك المعتدي؟ وكان بالإمكان وضع حل بمطالبة المدعي والمدعى عليه بإثبات الإثراء والتحقق منه، ولكن بنظري أن الوضع السائد حاليا لدى المحاكم، وهو بإرجاع أصل المال فقط، يحتاج إلى الكثير من الدراسة والتأمل.. والله أعلم.
الخلاصة أنه توجد لدينا مبادئ عظيمة يمكنها أن تكون أساسا للعدالة العالمية، ولكنها للأسف ما زالت تحتاج إلى أن تُصاغ على شكل قوانين حديثة. ونحن بلا شك في موقف متأخر جدا في هذا المجال حتى بالمقارنة مع العديد من الدول المتخلفة! والحقيقة أن التشدد والموقف السلبي من دراسة القانون كان السبب في تخلفنا في صياغة قانون متوافق مع شريعتنا ومع العصر، وهو السبب في بقائنا عالة على الغير حتى في هذا المجال! وهذا بلا شك تسبب في اتهام الشريعة بالقصور، وحاشاها والله، ولكنه التقليد والجمود الذي نعاني منه بالرغم من الخطوات المتسارعة مؤخرا إلا أنها غير كافية.