يقول جين بياجيه عالم النفس ومنظم سلم التعليم إن: "التعلم والتطور عند الفرد ينتج من خلال التعاون الجماعي بين الأقران"، وقد أوضح أن الأطفال يكتشفون المعنى ويكونون شخصياتهم بناء على أوجه التشابه والاختلاف بينهم وبين الآخرين بالمقارنة والمحاكاة، فيعمل الطفل أثناء التفاعل مع زملائه كموصل ومستقبل للتعليمات والمعلومات.. وربما كانت هذه البدايات غير المباشرة لاستراتيجية التعلم التعاوني (Collaborative learning) الذي بدأ في القرن التاسع عشر تقريبا، وتناقلت الدول المتقدمة تطبيقه.
العديد من رواد التربية والتعليم الحديث أكدوا على أن تطبيق الاستراتيجيات التربوية الحديثة داخل المدارس لها دور مفصلي في تطوير العمل التربوي، والتعلم التعاوني كان أحد البدائل لمساعدة الطلاب على زيادة تعلمهم وتواصلهم، واكتسابهم المهارات العلمية والتربوية والاجتماعية اللازمة للنجاح، يقول عنه العالم سكون :"التعلم ضمن مجموعة من الأفراد يغير في المعلومة، فيحولها من حالة الجمود إلى الحركة".
بدأ التعلم التعاوني كغيره من الاستراتيجيات التربوية الحديثة في المملكة منذ سنين معدودة، ولكنه بدأ كغيره من مشاريعنا أعرجا ودون عصا، فقد وقع الكثير من متبنيه في ممارسات خاطئة، لوجود أخطاء كبيرة في معرفته، ومن ثم تطبيقه فوقع بعض التربويين بين الشكليات والشخصنة عند تطبيقه.. والحجة الدامغة بأنه ما زال الكثيرون يعتقدون أن توفير الطاولات المستديرة أو المربعة أو السداسية، وجلوس مجموعة من الطلاب فيها أنه تعلم تعاوني!.
التعلم التعاوني لا ينجح بمجرد توفير ذلك فقط، بل على كيفية تطبيق التعلم ومحاوره، ومدى وعي من يطبقه بأبعاده، وقد ناقشت العديد من الدراسات العوامل المختلفة التي تساعد على نجاح هذا النوع من التعلم، وأُخذ في الاعتبار تطبيق عناصره وفهمها، وبنائها داخل الصف وتقويمها، وإعطاء المعلمين المزيد من الجرعات التدريبية الصحيحة لهذه الاستراتيجية بكيفية تقديم المواقف التعليمية المطلوبة بشكل تعاوني، وكذلك الاختيار المناسب للمعلمين والمدارس التي ترغب في تطبيق هذه الاستراتيجية، وعدم فرضها؛ لأن نجاحها يعود إلى قبول تطبيقها، وأن يتم إشراف نوعي لهذه المدارس للوقوف على نجاح الاستراتيجية الجميلة.
وفي نفس المنعطف، أذكر مديرا لإحدى المدارس المعروفة التي تسمى "نموذجية" قام بدعوة أحد الخبراء ممن تبنوا استراتيجية التعلم التعاوني وحرصوا على تطبيقه لتقديم برنامج تدريبي عنه لمعلمي المدرسة، وكان المدير يبشر هذا الخبير بأنه وفر طاولات مستديرة لجميع فصول المدرسة، ففرح خبيرنا بذلك، وشكره على الإنجاز والدعوة، حضر في الموعد المحدد صباحا للمدرسة، وبعد مرور ساعتين من البرنامج في قاعة مصادر التعلم، ومع تفاعل جميل من معلمي المدرسة، إذا بمدير المدرسة يستأذن الخبير بكلمة خارج قاعة التدريب، ويقول له: أرجوك يا أستاذ أريد منك أن توضح للمعلمين معنى التعلم التعاوني فقط، وتركز على استطاعة الزملاء كيفية "الحديث" عنه، ويشرحونه عند زيارة مسؤول أو مشرف زائر..!
لن أسرد كيف كان شعور هذا الخبير، وكيف انتهى البرنامج في هذه المدرسة.. بل ما يهمنا من القصة كيف أن هذا المشروع الذي دُفع فيه "إضافة" إلى مبالغ من الطلاب وأولياء أمورهم لتوفير طاولات وأدوات كان هدفه ووجوده وأبعاده أن يسرّ مسؤولي الإدارة التعليمية بتلك التجربة والطاولات وتوفيرها، ولم يعرف هذا المدير المسكين الذي خانته خبرته العتيقة أن أغلب المسؤولين لدينا لا يهتمون سوى بالكراسي الأحادية فقط ولا يحبون كراسي "تعاونية" تشاركهم.
وعليه نقيس مشاريع واستراتيجيات تربوية كثيرة تحت مسميات مختلفة كموجة من التغييرات والتعديلات فتتخذ شعارات براقة يلوّح ويسوّق لها المسؤولون بحجة التطوير والتحديث والسعي لمواكبة الدول المتقدمة ومتطلبات العصر ومقتضياته.. وبعد قطع شوط كبير في التطبيق نجد مخرجات سيئة وأوهام نجاح مأمول ودفع ضريبة باهظة من المال والوقت وحكم بالوأد.. والسبب ببساطة لا يخرج من جهل في التطبيق أو استعراض إعلامي أو مشاريعَ أشخاص إن بقوا بقيت، وإن ذهبوا ضاعت هباء منثورا.. وعليه فلنقس أغلب استراتيجيات وزاراتنا الأخرى - إن وجدت – ضائعة في كل الاتجاهات الأربعة وما بينهما!.