كان معرض الكتاب هذه السنة ـ بالنسبة لي ـ كصندوق العجائب الموجود دائما في القصص والروايات، هو ذلك الصندوق الذي يمر به رجل في الشوارع والحارات، وبه عدسات نشاهد من خلالها رسومات تحكي قصصا لأحداث قديمة، وهذه كانت طريقة بسيطة لتعليم الأطفال التاريخ، ومحاولة تنمية الفكر والخيال من خلال قصة جديدة في كل مرة يمر بها هذا الرجل بالصندوق. رغم انقراض الصندوق مع الأسف، إلا أن معرض الرياض الدولي للكتاب كان هو صندوقي الذي كنت أرى من خلاله القصص الحديثة لأحداث قديمة، وأقصد بهذا أن أغلب ما رأيته في المعرض كان بالنسبة لي يحكي تاريخنا القديم، فرأيت ما كنا عليه من بساطة، في التعامل مع موظفات وموظفي الأمن، ورأيت ما كان يقال عن الزمن الجميل بتفشي السلام والابتسامة بكل أرجاء المعرض، ورأيت تناغم جميع أفراد المجتمع من أطفال إلى شباب إلى كبار السن، بمختلف اختصاصاتهم ومرجعياتهم وأجناسهم، فتجد المتثقف والمثقف، وتجد الإسلامي متلهفا على اقتناء كتب الليبرالي، والليبرالي متلهفا لوجهة نظر العلماني، والرجل يقرأ كتبا عن المرأة وللمرأة، والمرأة تقرأ ما كتب عنها الرجل وتقتني من أجل رجل. وجدت جميع الحالات الإنسانية المجردة تحت سماء الثقافة، ربما لم يكن الأغلبية يذهب للثقافة أو القراءة، ولكن بالنسبة لي فإن القدرة على التعايش بين هذا المزيج المختلف المختلط الكبير مع بعض في هذه الساعات يذكرني بالزمن الجميل.
ولا أنسى هنا قصص الفرسان، ففي كل ليلة كان الصندوق يختم بقصة لبطل أو بطلة، والذين تفاجأت من كمية وجودهم وطموحهم وحماسهم.
وسأذكر لكم فارس البورتريه طارق الزهرة، شاب صغير في بداية العقد الثاني ولكنه يحمل قصة جميلة عن المثابرة والعمل والاجتهاد، فرغم صغر سنه إلا أنه مثال لكل شاب طموح، وما أعجبني فيه أنه رغم سطوع نجمه حاليا وعمله مع أكبر شركات الإعلام إلا أن هذا لم يمنعه من إكمال دراسته بالانتساب، حاملا على عاتقه رسالة نبيلة ستخدم تراث الوطن، لا أستطيع أن أفصح عنها، لكن ستتذكرون كلامي هذا يوما، أما بطلتنا الأخرى فهي أميرة الميكرفون مذيعة برنامج "دوائر البنفسج" براديو السعودية تهاني عطيف، وهي خريجة لغة عربية، فتاة شابة ذات صوت إذاعي وفكر واع وخلق حسن، أذهلني علميتها، دقتها، حرصها على عملها وبرنامجها.. عند ذهابي لمبنى الإذاعة لعمل اللقاء كان يقترب اكتمال قناع الجدية والعمل على محياها كلما أبعدتنا دقائق قليلة عن الظهور على الهواء، أما أمير اللقطات المتحركة الجميل فايز الزيادي فهو قصة بطولة أخرى، هو من مواليد 1992 ويدرس بالانتساب في جامعة جازان قسم الإعلام ويعمل مصورا في صحيفة إلكترونية، هذا الإنسان يملك روحا جميلة تنعكس على عدسته فتجبر الصورة أن تجمد الحركة احتراما له، على الرغم من ازدحام وقته وانشغاله لم ينشغل عن إنسانيته، فقام في "يوم اليتيم" بتصوير الأيتام دون تكليف من أحد، وكانت فكرته جميلة للغاية، فقد قام باختيار دار حضانة أبها التي لا يدخلها سوى النساء لصغر سن الأيتام المقيمين فيها، فنقل كل ما يحدث في الداخل للناس في الخارج، كي يتمكن الناس من العيش يوما كاملا كما يعيشه اليتيم في الدار.. ولا أنسى أمير الابتسامة المذيع أحمد المالكي، والفوضوي فارس الجد والحدة الكاتب علي القاسمي، وكثير من الأمثلة المشرفة التي لا يتسع المجال لذكرهم جميعا فليسامحوني.. تلك الأمثلة جعلتني أثق بأن وطني يمتلك مبدعين معطائين محبين لترابه، فلندعمهم جميعا ونثق بهم، فهم الجوانح التي ستلحق بالوطن عاليا.