قبل عشر سنوات، شنّت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها حرباً على العراق، بعد حصار استمر منذ حرب الخليج الثانية عام 1990. وكانت ذريعة العدوان الذي شن في الـ20 من مارس 2003، هي نزع أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق، وعلاقة مفترضة للنظام مع تنظيم القاعدة. وقد ثبت بطلان جميع هذه الذرائع. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع من تدمير منهجي للجيش العراقي ولهياكل الدولة العراقية تمكن الغزاة من دخول عاصمة العباسيين، بغداد في 7 أبريل وإسقاط الدولة الوطنية الحديثة، التي تأسست بعد الاستقلال، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى. انتهت الحرب، بتدمير بلد عريق ومصادرة وجوده كيانا وهوية. وأكثر من ذلك بكثير، هو تمزيق نسيجه المجتمعي، وتدشين عملية سياسية مستندة على تغليب الهويات الجزئية، وكبح الهوية الوطنية. عملية سياسية تقوم على أساس القسمة بين الطوائف والأقليات العرقية، من أجل أن يبقى العراق، إلى ما لا نهاية، ضعيفا، وغير قادر على النهوض، والمشاركة مع أشقائه العرب في دفع مسيرة تقدم الأمة، والدفاع عن ثوابتها.

وكان الدمار مهولا ومروعا، شمل البنية التحتية، والمواقع والآثار التاريخية، وأماكن العبادة، والمتاحف والمراكز العلمية. وتجاوزت أعداد القتلى، جراء الحصار والحرب أكثر من مليون عراقي، وتشريد ملايين العراقيين، داخل وطنهم وخارجه. وعلى صعيد الثوابت الوطنية، السياسية، أنهت الحرب مفاهيم ومواثيق وعهودا واتفاقيات، تراكمت منذ تأسست جامعة الدول العربية، بأن يقف العرب مع بعضهم، أمام العدوان والهجمة الخارجية، وأن يعتبروا أنفسهم جسدا واحدا، وأن أي انهيار في منظومة الأمن القومي العربي، هو تهديد لكل الأقطار العربية.

أصبح كل بلد عربي معنيا بمصالحه الخاصة، وفتحت الأبواب مشرعة للعدوان على العرب وعلى ذاكرتهم الدينية وموروثهم الثقافي والحضاري. وغدت قضية فلسطين موضوعا مؤجلا، تتآكل يوميا مساحة ما تبقى من أرض يمكن للعرب التفاوض بشأنها. وغدت العلاقة مع الصهاينة شأنا خلافيا، يحتمل الخطأ والصواب، وليست مسألة كينونة ووجود.

لم يستسلم العراقيون لواقع الاحتلال، وبدؤوا مقاومتهم منذ الساعات الأولى لسقوط بغداد، وتحديدا مع انبلاج فجر التاسع من أبريل. وكان منطق مقاومتهم مستندا إلى أن احتلال بلادهم هو في المبتدأ والخبر، غير قانوني وغير شرعي، وبالضد من حقهم في الحرية وتقرير المصير. وقد أكدت مبادئ السماء وشرعة الأمم حقهم في المقاومة لتحرير بلادهم من ربقة الاحتلال الأميركي.

وتحولت هذه المقاومة بفضل كفاح العراقيين، إلى واحدة من أعظم حركات المقاومة في المنطقة والعالم، مجبرة الأميركيين، بعد منازلة أسطورية، على الرحيل. وكان من نتائج هذه المنازلة، إرباك المشروع الكوني الأميركي الهادف إلى تفتيت المنطقة بأسرها، وتحويلها إلى كيانات مجهرية. ومن جهة أخرى، لتكشف الأزمة الاقتصادية، والخلل البنيوي للنظام الأميركي، ولتضع العالم بأسره أمام معطيات وواقع جديد.

لكن تركة الاحتلال لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. فالعملية السياسية التي نفذها السفير الأميركي بول برايمر، لا تزال تلقي بظلالها على أعناق العراقيين، وتبطئ من سيرهم نحو كسر القيود.

إن هذه التركة، هي التي تعطي للحراك الشعبي في محافظة الأنبار التي انتقلت سريعا إلى الموصل وبعقوبة وسامراء وتكريت، لتصل إلى قلب العاصمة بغداد؛ مشروعية ووجاهة. فهذا الحراك يطرح مطالب واضحة، في مقدمتها إلغاء العملية السياسية، باعتبارها من مخلفات الاحتلال، ولأنها تتعارض مع مفهوم المواطنة، وتمزق العراقيين إلى شلل وطوائف وأقليات وعشائر، بمعنى تغليبها للهويات الجزئية، وتنكرها للهوية الجامعة.

إن الردّ عل كلّ ما يحاك للعراق ووحدته وهويته وموارده ومستقبله لا يكون إلاّ بالاستجابة السريعة لمطالب الحراك الشعبي السلمي العراقي المستمر منذ أشهر، وإيجاد مناخ صحي لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة البعيدة عن منطق الثأر والكيدية والانتقام.

إن الاستجابة لمطالب العراقيين، المنتفضين في عدد كبير من المحافظات العراقية، هي وحدها التي تعيد للعراق حضوره التاريخي، وتحصنه من أشكال التدخل الخارجي والتحريض الطائفي والمذهبي كافة. وطبيعي أن يطالب العراقيون بإفراغ السجون من المعتقلين، نساء ورجالا، وأن يعود المنفيون إلى ديارهم. فغالبية هؤلاء المعتقلين والمنفيين لا يحملون جرما، سوى مقاومتهم للاحتلال والدفاع عن أرضهم وعرضهم وكرامتهم، بما يضعهم في خانة الشرفاء والأبطال المدافعين عن أوطانهم وأمتهم.

من حق العراقيين أن ينعموا بالحرية والكرامة، وأن يبقوا أحرارا دونما تدخلات إقليمية. من حقهم أن يطالبوا الجارة إيران بالتخلي عن نزعات التوسع، والتدخل في شؤون بلادهم، والانتصار لفريق على حساب فريق آخر.. من حق العراقيين، أن يناضلوا من أجل إلغاء قانون الاجتثاث الذي حرم الملايين من العراقيين من المأوى والمأكل والملبس، وعرضهم للشتات.

ومن حقهم أيضا، أن يطالبوا بإلغاء قانون الإرهاب، الذي أصبح سيفا مسلطا، على كل عراقي شريف يناضل من أجل تطهير بلاده من رجس الاحتلال وعبث العابثين. ومن حقهم أيضا أن يطالبوا بإجراء انتخابات تشريعية نزيهة وشفافة، لا يتم إقصاء أي فريق سياسي عنها، وإعادة صياغة دستور جديد للعراق يكون معبّراً عن إرادة العراقيين جميعاً وتوافقهم، دون إقصاء أو تهميش. من حق العراقيين، في انتفاضتهم الباسلة، أن يطالبوا بضبط موارد الدولة والوطن بعيداً عن فساد جاء مع الاحتلال وبقي بعده، وعن هدر شجّع المحتل عليه وما زال مهيمناً على موارد العراقيين.

ومن حق العراقيين على أشقائهم العرب، ألا يدعوهم بمفردهم، في مواجهة تركة الاحتلال والتدخلات الإقليمية، فللعراق وشعبه ديون كثيرة في أعناقنا، لا تستقيم البوصلة، دون الوفاء بها. فعسى أن تكون انتفاضتهم الباسلة لكسر القيود تذكرة بما ينبغي على العرب عمله لمساعدتهم على الخروج من النفق، وليعاد للثوابت الوطنية والقومية، ونصرة الأخ "ظالما أو مظلوما" اعتبارها.