تقول لي (أم العيال الثمانية)، وأقسم بالله على ما سمعت: لقد نسينا المرة الأخيرة التي أكلنا فيها اللحم: يمكن قبل سنة أو سنة ونصف. وأنا هنا، أقسم بالله على (ما سمعت) لسببين: الأول: أن الأغلبية لن تصدق أن بيننا من لم يعرف صورة (اللحم) لأشهر طويلة، لأن بيننا من الأغلبية أيضاً من (يكف) يديه كل غداء وعشاء حد التخمة المخيفة. الثاني، إنني أقسم على ما سمعت، وسماعي المجرد لا يكفي للحكم على صدق ما قالته هذه المرأة، وسألوم نفسي، لأنني أصبحت في طابور المشككين بمثل هذه القصص الموغلة في الألم والحزن.

سألوم نفسي حد الاحتقار لأنني أدركت كم هي المسافة الشاسعة ما بيني وبين أربعة من الأطفال الأبرياء، وجلهم في سن الإدراك، ليدركوا وقع الجملة الحزينة التي قالتها والدتهم وهم يستمعون معي إليها في دائرة مغلقة.

كل القصة لم تكن بأنهم أكلوا لحماً أم لم يأكلوا.

كل القصة لدي هي أن يشعر هؤلاء الأبرياء من الأطفال بوطأة الحاجة والفقر.

كل القصة أن يستمعوا إلى – قصة الحياة – في جملة شاردة من فم الأم.

كل القصة المؤلمة المحزنة تقرؤها في تعابير الطفل الأكبر، وعلى قسمات وجهه الذي كان يقطر (خجلاً): لم يكن يريد من أمه أن تقول هذه الجملة.

كل ما شاهدته قبل البارحة يدفعني للخجل واحتقار الذات. كنت معهم مبتدأ المساء بكل توصيف المشهد المحزن الذي يستعصي على الوصف، ثم خرجت من بينهم مباشرة إلى حفلة استعراض باذخة كان لي فيها ولوحدي أن ألتهم نصف وزني من اللحم الأحمر.

كل ما كان قبل البارحة يدفعني للخجل واحتقار النفس: خرجت من بينهم فلم أفعل شيئاً وكان بوسعي تماماً تماماً أن أعطيهم ما يشبعهم ليلة واحدة من اللحم، ولكنني كنت مستعجلاً كي ألتحق بحفلة الاستعراض.

كل الذي أكتبه اليوم، وأقسم بالله، ليس إلا من باب تخفيف الشعور بعقدة الذنب.

هؤلاء ليسوا مطلقاً بحاجة – اللحم – قدر الحاجة إلى ضمير من بقية الأحياء على هذه الأرض.