كانت أول مصافحة لي لإبداع الشاعر محمد عبدالرحمن الحفظي عام 1407هـ أي قبل سبعة وعشرين عاما عبر ديوانه " أولى تجاوزت.. لا"، وكان آنذاك الإصدار الثاني تقريبا له في غمار فورة وثورة الحداثة الأدبية والإبداعية بعد "لحظة يا حلم"، والديوان المشترك" قصائد من الجبل"، وهو بذا يعد أحد المخضرمين "فنيا" الذين واكبوا تلكم المرحلة وتطورت شعريته في تؤدة وثبات وعمق حتى أصدر بعدها في سنوات قريبة أربعة دواوين حفلت بتجربته الإبداعية الحافلة. بين يدي الآن ديوانه الجديد ولا أقول الأخير "لكِ انتظر البحر"، وضم بين دفتيه نيفا وثلاثين نصا تسيطر عليها جميعا تقنية التداعي، إذ الحفظي أحد أبرز شعراء الجنوب الذين يؤطر نتاجهم تيار الوعي، ونفاذية البوح خاصة إذا تتبعنا مفردته الشاعرة المغرقة في استكناه المعاني الإنسانية وسبر أغوار النفثات الوجدانية وما تحمله من رؤى فلسفية للإنسان والحياة وما يعتور النفس من نزعات الحب والوله والاشتياق.
اقرأه في "وشيل المساءات النافرة" ينساب:
تتساقين اختيالا في تفاصيل السنا
وتجيئين على خدّ المساءات
سؤلا موقنا
أنا في عالم أقداركِ
ألقاك على مرّ المحالات
طريقا ناهلا .. وابتدارا مزمنا
لغة الديوان وارفة عميقة الجذور، ومن الشعراء من يحتاج قارئه ومتذوقه إلى عُدّة شعورية وعتاد لغوي فليست كل الدلالات ممكنة، والحفظي أحد أولئك المبدعين الممعنين في الامتياح من معين الأصول اللغوية ذات الصبغة المموسقة المشتهاة:
إليكِ سأشكو حوار الدوائر
أنضو إلى وله الراحلين
وأترك للشمس حرية الضوء
أستلهم البحر
أدفن في جوفه صرختي
وأنكأ هذا الصدى المستغيث
إليكِ سترحل كل الرسائل
كل الفوارق
كل الرحيل.
إن التجربة الإبداعية التي مر بها الشاعر وهي ثرية ولا شك قد أمدّته - عبر أكثر من ثلاثين عاما - بالقدرة على تشكيل عالمه الشعري ذي النسيج المتضافر ينطلق منه إلى سماوات أبعد من أن تقارب الآني واللحظي، فهو كما يقال ينظر إلى الأشياء والأرواح والوشائج من علٍ دون أن يفوته أنه من بينها سما وارتفع ومن خلالها كان منطلقه. خذ مثلا نصه "أطواد الموت" في رثاء الراحل المبدع غازي القصيبي:
يا سيدَ الحرف.. بكينا ولم
نصدّق الصبح الكئيب الثقيل
تنداح في وخز القلوب التي
ينكؤها رحيلك المستحيل
والموت يقضي بيننا لحظة
لا بدّ أن تعبر هذا السبيل
باختصار وفق هذه الزاوية العجلى، فلقد توافر للشاعر أن يعيد توليد لغته الشعرية مما جعله أحد المبدعين المعدودين الذين يمتلكون قاموسا بنيويا خاصا.