فيما كانت لبنان محتقنة سياسيا واجتماعيا بسبب تهديدات أمين عام حزب الله حسن نصر الله لتفجير الوضع الداخلي في حال تم توجيه اتهام ظني لأي من منتسبي الحزب في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. تطلع اللبنانيون إلى الجهود السعودية السورية لتخفيف التوتر الذي ألقى بظلاله على لبنان. وجلاء الإحباط الذي خيم على اللبنانيين بسبب افتعال الأزمات والمشكلات الداخلية ليس على مستوى الحكومة اللبنانية وتعطيل أعمالها. بل وامتداد الاحتقان السياسي إلى الشارع بما ينعكس توترا يأخذ أبعادا سياسية واجتماعية وطائفية.
الصحف اللبنانية رحبت بزيارة الملك عبدالله والرئيس السوري بشار الأسد إلى بيروت وتفاءلت بعقد القمة الثلاثية لهما مع الرئيس اللبناني ميشال سليمان. وراح المحللون يتحدثون عن مظلة أمنية عربية للبنان تحميه من الأخطار الداخلية والخارجية. والمخاوف التي يبديها اللبناني هي عن فتن الداخل أكثر من تحديات الخارج. فالحروب الإسرائيلية ـ مثلا ـ توحد اللبنانيين باعتبارها اعتداء خارجيا. لكن الأزمات الداخلية تفرقهم شعوبا وقبائل وتدفع بعضهم لتخوين بعض، بما يعني ذلك الحكم بالموت. وفي بلد الدولة فيه ضعيفة وسلطاتها الأمنية أضعف من المليشيات المحلية كل شيء جائز. ناهيك عن حملات التخويف بالإرهاب والاغتيال التي تجعل عقل السياسي مرتهنا وإرادته محبوسة.
في مطار بيروت فرش السجاد الأحمر ـ وهي من الحالات النادرة ـ لاستقبال الزعيمين الكبيرين ونصبت محطات التلفزة المحلية والعالمية كاميراتها، وانتشرت على الطرقات لافتات الترحيب وصور العاهل الكبير الملك عبدالله بن عبدالعزيز. ولم يكن الأمر أقل بهاء في قصر بعبدا الرئاسي الذي تقاطر إليه جل سياسيي لبنان وأعضاء السلك الدبلوماسي الأجنبي وكبار رجال الصحافة اللبنانية من ناشرين وكتاب. وفي وسط صالة الدخول تزاحمت كاميرات التلفزة لرصد الحدث الاستثنائي وأخذ المذيعون والمذيعات يبحثون عن صوت سعودي ينبئهم بالجو العام للقمة السعودية السورية وأهداف القمة الثلاثية.
في صالة الاستقبال الرئاسية كان من أوائل الواصلين نواب البرلمان اللبناني ومن أبرزهم النائب وليد جنبلاط ورؤساء تحرير الصحف السعودية. أخذ بعض النواب يسأل رجال الصحافة السعودية عن أجواء دمشق. وكان الرد بأن الملك والرئيس سيصلان في طائرة واحدة وهو عنوان واضح للتفاهم السعودي السوري على حماية لبنان من الأخطار وإيجاد المظلة العربية الكافية لصيانة أمنه وسلامة وحدته.
اكتظ القصر الجمهوري في بعبدا بالساسة ورجال الدولة الكبار وأصحاب القلم من لبنان والسعودية وسوريا كما لو أن هذا اليوم أريد له أن يكون تاريخيا بالفعل, وبعد وصول الملك والرئيسين اللبناني والسوري إلى القصر قطعوا صالة الدخول عبر السجادة الحمراء إلى قاعة الاجتماعات وسط حرس الشرف. حيث عقد اجتماع القمة لنحو أربعين دقيقة. ثم شرف الزعيمان حفل الغداء الذي أقامه الرئيس اللبناني والذي اتسم بالاتيكيت اللبناني الفاخر واستقدمت له فرقة موسيقية عزفت أجمل الألحان اللبنانية.
ولشدة وقع المناسبة وتأثيرها التاريخي غضب بعض الساسة اللبنانيين بسبب عدم دعوتهم من قصر الرئاسة لحضور المناسبة الكبيرة وكان منهم رجال الدين ورئيس حزب الكتائب أمين الجميل ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع. وقد حاول الرئيس سعد الحريري التعويض عن ذلك بدعوة البعض للسلام على خادم الحرمين الشريفين أثناء زيارته لدارة الحريري بقصر الوسط.
في حفل الغداء كانت هناك أحاديث ودية بين رؤساء تحرير الصحف السعودية أعضاء الوفد الرسمي ونواب لبنانيين حول الأوضاع في البلاد. وكان واضحا من نبرة اللبنانيين قرفهم من التأزيم المستمر للمناخات السياسية في وطنهم ورغبتهم في أن يكون للبلدان العربية وخاصة المملكة دور في تثبيت الأمن والاستقرار. ويلمس المرء حتى من نواب 14 آذار حرصهم على علاقات طيبة مع دمشق وعدم ميلهم إلى التراشق السياسي الضار بأمن وهدوء لبنان.
وقد حققت الزيارة والقمة وكلاهما استغرق خمس ساعات فقط نتائج باهرة إن على مستوى الاطمئنان النفسي أو بالإيحاء السياسي. حيث أكد بيان القمة على دور الدولة ومؤسساتها في إدارة البلاد وعدم الاستجابة بالانزلاق للفتن الطائفية والمذهبية، والحفاظ على أمن لبنان وصيانة استقراره. وشكلت نتائج القمة أكبر رد على تساؤلات ومخاوف اللبنانيين رغم الميل الفطري اللبناني للاهتمام بالتفاصيل من قبيل معرفة الطبخة السياسية التي ردعت الفتنة وأشرعت المظلة السياسية والأمنية لوطن الأرز.
إن لبنان هذا البلد الصغير بمساحته والقليل بسكانه يملك من الأهمية الاستراتيجية في الشرق الأوسط ما لا يخطر على بال فهو دولة مواجهة مفتوحة مع إسرائيل ونافذة للغرب على الشرق والعكس بالعكس، كما أنه مركز للثقافة والترجمة والنشر والإعلام. وإن ديمقراطية نظامه وتنوع طوائفه المتماهية مع مثيلاتها في الخارج جعلا من هذه الدولة انعكاسا لأوضاع إقليمه وعلاقة قواه السياسية وتوازناتها الاستراتيجية.