لدي دراسة علمية أعدت في إحدى الجامعات في أميركا تتحدث عن "الخطاب" في عدد من الثقافات ومنها الثقافة العربية..ومن نتائج هذه الدراسة أنها خلصت إلى أن الثقافة العربية تتجه نحو تكرار الخطاب حتى تصل الرسالة..وقد قام معدو هذه الدراسة بتحليل عدد كبير من النصوص العربية بما فيها خطابات بعض الزعماء ونصوص من الأدب والإعلام والمحادثات..وخلصوا إلى هذه النتيجة ولعلها فعلاً صحيحة وتكشف الواقع..فعندما نفكر في أمر مثل الدعوة للمناسبات فإننا غالباً ما نتلقى الدعوة ثم تتكرر ثم التذكير بها..وهكذا حتى يطمئن الداعي أن رسالته قد وصلت فعلاً. وبالمقابل عندما نتحدث في أمر من الأمور لمرة واحدة فقط فإن المتلقي لدينا لا يعير الأمر اهتماماً، ولعل الأمثلة لدي ولديكم كثيرة في أمور شخصية ورسمية..ومن هذا المنطلق أعيد اليوم للمرة الثالثة الحديث عن موضوع مؤلم وكبير وله عواقب وخيمة علينا وعلى مجتمعنا..وهو "تبرير" أي عمل غير مقبول نقوم به في الوقت الذي يُفترض أن نعترف فوراً بالخطأ ونتعلم منه، بل نعلم أولادنا بالقدوة وبالحديث معهم وضرب الأمثلة وإعطاء الشواهد لتكريس ثقافة الاعتراف بالخطأ وتصحيحه والاستفادة منه لتحل محل "ثقافة التبرير"..إنجازاتنا على مستوى المسؤولين وأخلاقنا على مستوى الأفراد تعاني بسبب وجود مشكلة "ثقافة التبرير" المنتشرة في مجتمعنا..نستخدمها لندفع بها عن أنفسنا شبح الخوف من المسؤولية والتباهي بالظهور بدون أخطاء أو سلبيات..حتى إن هذه الثقافة تنتقل من جيل إلى جيل بسبب تكريسها واقتداء صغارنا بما نفعله نحن حتى أصبح المجتمع يعاني منها إلى درجة أنها أصبحت سمة من سماته. اسأل ابنك عن خطأ ارتكبه تجده يسوق لك المبررات..اسأل الموظف الذي يعمل لديك عن خطئه تجده يبرر..اسأل المقاول الذي تأخر في إنجاز المشروعات التي يقوم بها واسألوا كافة أفراد المجتمع عن أخطائهم..تجدهم يبررون..إنها ثقافة يجب أن تتبدل، فالشعوب الواعية تدرك أن الخطأ من سمات البشرية وأن الخطأ ليس عيباً أو نقيصة، بل هو كما قال أديسون "طريق لا يؤدي إلى الحقيقة". إذ الخطأ هو اكتشاف..وليس عيباً..هو اكتشاف طريق مسدود نتعلم منه ألا نطرق هذا الطريق مرة أخرى. هذه ثقافة متحضرة..التخلص من ثقافة التبرير لا يقتصر على الحديث النظري وإنما يمارس من قبلنا كآباء ومعلمين ومسؤولين ليقتدي بنا كل من يكون في رعايتنا في البيت والعمل والمؤسسة وأينما حللنا وكل ما حدثت لنا تجربة لتكريس مفهوم الصراحة والصدق ونبذ ثقافة التبرير التي أصبحت نقمة على إنجازاتنا ومصالحنا..لا بد من برامج للأطفال تكرس فيهم وخصوصاً القيم التجريدية التي يتم عن طريق تلك البرامج ترجمتها إلى واقع ملموس يلمس فيه الطفل ويتذوق معاني الصدق وأين يؤول بصاحبه والكذب وأين يأخذ ممارسه. والأمانة وما هي نتيجتها وسوء أدائها وعواقب ذلك السوء في أدوار تمثيلية أو مشروعات مشتركة مخططة ومبنية بعناية، وأركز على قضية الاستمرار.

نحن كمجتمع إسلامي أولى من أي مجتمع آخر بهذه القيم. إنه لأمر غريب أن تجد قيمنا الإسلامية في مجتمع غير مسلم. نحن أولى بألا نبرر أخطاءنا. ونحن أولى أن نكون أول من يعترف بالخطأ. وصدقوني أن الفرد منا في مجتمعه الخاص أو في عمله يحظى بالتقدير والاحترام وكسب الثقة عندما يكون أول من يقول "إنني أخطأت". فلسنا رسلاً أو ملائكة..

وخلاصة القول..لماذا نخجل من الخطأ ونبرره ونعلم ناشئتنا هذا السلوك بدون وعي منا؟ لماذا نشعر بالزهو والانتصار عندما ننجو بمبراراتنا من خطأ ارتكبناه؟ وكيف نشعر داخل أنفسنا عندما نواجه أنفسنا بأننا نجونا من الخطأ بمبرارات زائفة؟ هل نستطيع أن نتعايش مع أنفسنا ونحن نعلم يقيناً سوءها؟

وفي منازلنا يجب أن يعرف أطفالنا أننا بشر والبشر يخطئون وأنه لا عيب في ذلك، وأن نعلمهم أن الخطأ له فوائد كبيرة، لأنه يعلمنا الصواب. ونعلمهم أن احترام الذات واحترام الآخرين لنا يزداد عندما يدركون أن لدينا قيما سامية، ومنها الاعتراف بالخطأ والتعود على هذه القيم وممارستها طوال حياتنا في منازلنا وفي كل تعاملاتنا. والأهم من ذلك ألا يجدوا تناقضاً بين ما نقول لهم ونربيهم عليه وبين ما نفعله.

ما أقوله لا يمكن تحقيقه بالسهولة التي أطرحه بها. ولا أريد أن يفهم أنني أسطح موضوع تكريس ثقافة الصدق للتخلص من ثقافة "التبرير"، فالأمر ليس سهلاً، خصوصاً في عصرنا الحاضر الذي تبدل فيه مسرحنا المجتمعي وتغير وتعقد. فصحيح أن ما يتعلمه الطفل في المنزل يجد ما يناقضه في الشارع، وما يتعلمه في المدرسة يجد ما يلغيه في وسائل الاتصال الحديثة، ولهذا يجب علينا كآباء ومربين أن نسبر عقول أطفالنا لنعرف القيم السيئة التي اكتسبوها من مصادر سيئة، فليس هناك مكان للقيم الفاضلة في ظل وجود قيم سيئة أو أن القيم السيئة قد تكون أقوى من القيم الفاضلة فتنسخها.

وخلاصة القول؛ أن مجتمعنا لا يستحق هذه الثقافة وتخليصه منها مسؤوليتنا جميعاً. المسؤول أمام موظفيه والوالدان أمام أولادهم والتربية في المدارس أطراف مسؤولة عن تخليص المجتمع من هذه الثقافة. ولكي نتخلص منها يجب أن نتذكر أن التكرار في الخطاب سمة من سمات مجتمعنا، ولن تصل الرسالة إلا بتكرارها مراراً..هذا إذا كانت رسالة عادية، فما بالكم إذا كانت رسالة تجريدية..هنا يجب أن يحملها خطاب بشكل ملموس..والقدوة أول الخيارات ولا يكفي وحده بل برامج يتم فيها تحويل هذه القيمة التجريدية إلى واقع ملموس يتم اكتسابه بشكل فاعل.