كثُرت الحوادث نهاية الأسبوع الماضي، فالإجازة الربيعية كانت قصيرة، والكل يريد أن يستثمرها حتى آخر رمق، لكن الحوادث كانت للبعض بالمرصاد.
في الشمال ماتت "عروس حفر الباطن"، وهناك آخرون ماتوا على طرق أخرى، ففي يوم الجمعة الماضي، وعلى طريق حائل المدينة-الذي يشبه الطرق الزراعية- ومروراً بقرية تسمى "وسيطاء" ماتت عائلة مكونة من أربعة أشخاص، نتيجة انقلاب السيارة التي تقلهم، وقد صادف مروري على الطريق هذا الحادث المؤلم الذي شاهدته وقد أودى بحياة ثلاث نساء ورجل كان ينازع الموت ويتكلم رغم إصابته البالغة في الرأس، قبل وصول سيارات الهلال الأحمر.
كان المنظر قاتلاً لبقية أفراد العائلة الذين كانوا مسافرين بأكثر من سيارة، رغم قيام بعض أهالي القرية والمسافرين على الطريق بإخراج المصابين الذين توفوا على الفور، ولم يكن بينهم أحياء سوى الرجل الشاب، قمت بالاتصال على الفور بالهلال الأحمر (997) وقال لي الموظف إنه تلقى أكثر من 100 اتصال، وطلب مني الوصف بدقة فسألت أحد الذين باشروا الحادث، ووعد بأن يصل الإسعاف الطائر إلى الموقع، بقيت لأكثر من نصف ساعة وكان الرجل يعاني من إصابة بالغة في الرأس، والذين حوله يخبرونه بأن سيارة الإسعاف سوف تصل، ووصلت فعلاً، لكنها وصلت متأخرة مع شديد الأسف، وقال لي أحدهم إن مركز الهلال الأحمر يبعد 40 كليومتراً.. وعلمت لاحقاً أن الرجل قد توفي.
بصرف النظر عن نسبة المسؤولية التي يتحملها الأفراد ومركباتهم، تبقى ملاحظتان مهمتان في قضية الحوادث: الأولى رداءة الطريق وخاصة ما إذا كان متعرجاً في اتجاه واحد، والثانية هي عدم تغطية مراكز الهلال الأحمر للطرق، وهذه نقطة مهمة قد تساعد في نجاة المصابين من هذه الحوادث.
إلا أن بقاء المصاب ينزف لساعتين وأكثر هو جريمة بحق الوطن والمواطن إذا ما كانت الخدمة الإسعافية المفترضة تغطي الطرق، وإذا كان الإسعاف الطائر لا يصل إلى موقع الحادث بسرعة أكبر، فكثيرون فارقوا الحياة نتيجة تأخر الحالات الإسعافية من مراكز الهلال الأحمر السعودي، وخاصة أن السيارات التي تصل إلى مواقع الحالات هي سيارات قديمة ومن الطبيعي أن تتأخر في الوصول، كونها قديمة أولاً ثم كونها في موقع بعيد جداً عن موقع الحادث أو الحالة الإسعافية.
الطرق بين المدن الرئيسة جيدة، لكن الطرق التي تربط بين بعض المدن، قد أكل عليها الدهر وشرب، والناس يموتون كل يوم بانتظار طريق سريع وآمن، وربما لولا الجهود التي يقوم بها المواطنون تطوعاً في إنقاذ المصابين من الحوادث لكانت النتائج أكبر فداحة!
في الموقع الإلكتروني لـ"هيئة الهلال الأحمر السعودي" لم أجد ما يدل على وجود نقاط منظمة بمسافات قريبة ومناسبة بين المراكز الإسعافية، فأقرب مستشفى لأقرب مركز إسعاف يبعد 100 كيلومتر، وهذا لا يكفي أن تكون المسافة بكل هذا البعد.
وإذا كان الأمر كذلك على أرض الواقع، فمن الواجب ومن المهم جداً إعادة الهيكلة والترتيب، ووضع الإسعاف السيار والطائر موضع التحرك السريع لإنقاذ أرواح الناس، وذلك بوضع إحداثيات متكاملة للطرق التي يحتمل وقوع الحوادث عليها.
صحيحٌ أن بلادنا مترامية الأطراف، لكن ما تنفقه الدولة من ميزانيات ضخمة يستطيع أن يقلص إشكالية اتساع الرقعة الجغرافية، كما أن قضية المراكز والأطراف في التنمية يفترض أن تعاد صياغتها لتصبح الأطراف مراكز أيضاً حتى يتم الوصول والتساوي الكامل بين خدمات القرية وخدمات المدينة، كما هو الأمر في ألمانيا مثلاً، على الرغم من أن هذه النتيجة صعبة ولن تأتي في يوم وليلة، ولكن إن وضعنا في حسباننا التخطيط للنجاح سوف ننجح.
كل أسرة سعودية فقدت عزيزاً في حادث مروري ما، وربما أننا نضع اللوم على المركبة والسائق والشركة المصنِّعة، لكننا يجب ألا نتناسى أموراً أخرى وفي مقدمتها سلامة الطريق وتوفر الخدمات المناسبة عليه من محطات واستراحات ومراكز للطوارئ، فالأرواح وإن رحلت.. يبقى أصحابها في الذاكرة.