لقد بلينا هذه الأيام مع انتشار الشبكة العنكبوتية وسهولة التوصل إليها بنوعية جديدة من المثقفين، أو لنقل أشباه المثقفين، أصحاب القص واللصق، قد يطلق عليهم "متعلمون"، ولكنهم لم يبذلوا جهدا في البحث والدراسة والتعمق، حتى الشهادات أصبحت تزور وتستخدم من أنصاف المتعلمين في ممارسة الأستذة علينا. تسألهم مثلا عن شكسبير يجيبونك بأنهم لم يقرؤوا رواياته، عن رأيهم في أعمال فان جوخ يجيبونك بتعال مصطنع بأنه لا تعجبهم تصاميمه! عن مقدمة ابن خلدون، يعترضون على الكتاب الذي انتقاه كي يضع مقدمته فيه، يضعون في المعرف صورة شخصية شيوعية مشهورة وفي "تغريداتهم" يتحدثون عن عظمة الخالق!

هل أصبحت الثقافة حكرا على دعاة الثقافة، الذين يتحفوننا كل صباح وكل مساء بأبيات من الشعر التي لو قرأها المتنبي لتقلب ساخرا في قبره.. أو أدعياء السياسة ممن يتدخلون في سيادة وشؤون دول وهم لا يعرفون الفرق بين تخطيط واستراتيجية.. يغرقوننا بآراء أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها خرجت ممن يردد "ولا تقربوا الصلاة.." ويترك الباقي، ومدعي الوطنية الذين ينخرون أزاميل التفرقة والعنصرية في جسد الوطن بل في جسد الأمة، أو المنظرين في قضايا اجتماعية وتربوية وهم لا يعرفون من قضايا الشارع سوى الأسواق والمطاعم والمقاهي، ومن التربية والتعليم سوى الكتب المدرسية، تجد كثيرا منهم يتردد على المؤتمرات لا للاستفادة من أوراق العمل والنقاشات الجانبية، بل التسابق للظهور والتقاط الصور وإجراء المقابلات والتكلف بالحركات الدرامية تكملة للصورة والوجاهة الثقافية أمام المجتمع، فيكثر متابعوهم وبالتالي يزدادون انتفاخا وتعاليا!

لم يعد المثقف يُعرّف بنسبة علمه ومعرفته نتيجة مجهود سنوات من القراءة والبحث عن المعرفة، ولم يعد مهما أن يَفهم أو يُفهم ما يقوله أو ينقله من أقوال الآخرين خاصة من مثقفي الغرب، فتجده ينقل مفاهيم معلبة يريدنا أن نتموضع بداخلها بالطول وبالعرض، شئنا أم أبينا، وإلا سلخت عنا صفة الحضارة! المهم والأهم هنا أن يسوق لنفسه؛ أن يظهر سواء كان لديه شيء يقوله أو لم يكن لديه، ليس عليه أن يناقش علما أو فكرا بعمق بل أن يتنقل من مجال إلى مجال كمن يتنقل على أسقف المنازل وبمساعدة فانوسه السحري (الحاسوب) يحاور بلسان هذا ورأي ذاك، وقد يكتب مقالات في الصحف الإلكترونية أو المدونات؛ وهو أصلا لا يعرف "الألف من كوز الذرة"، بمعنى لا ثقافة لغوية، عامة أو حتى متخصصة! أو يؤلف شعرا بوهيميا يرتكز على تحريك الغرائز ينشره بكتاب مزخرف معظمه فراغات وصور، أو يقدم برنامجا أو يجري حوارا لا يسمع المتابع له سوى خوار على خوار وفي كل القضايا، باتت الثقافة تسكن "سوبر ماركت" مجانية أو بسعر رمزي، يدخلها الفرد، يحمل سلة ينتقي ما تفرضه عليه الموضة الثقافية ثم يخرج إلينا بآراء ساخنة تحرق كل فكر وتعطل كل منطق!

ما هي الثقافة؟ هل هي المعرفة؟هل هي العلم؟ هل هي الحضارة؟ هل هي العقيدة؟ هل هي العادات والتقاليد؟ أم هي الأفكار، أم الفنون والآداب؟ هي كل ما سبق لذلك، ومن الصعب أن نجد مثقفا يمتلك علما ومعرفة متعمقة بجميع مكوناته، ولكن من الممكن أن نجد مجتمعا مثقفا يمتلك مجموعة كبيرة ومتنوعة من الثقافة تتجلى في مجموع أفراده، كما أننا يمكن أن نجد مثقفا لديه معرفة متعمقة بأكثر من جزء ولكن لديه القدرة والإرادة على البحث في بقية المكونات متى ما احتاج لذلك. يقول جودت هوشيار إنه لكي "يقوم المثقف بدوره المنشود لا بد له من أن يتحلى بصفات وسجايا عديدة مثل يقظة الضمير والإحساس بالمسؤولية واستقلالية الرأي والفكر النقدي ويمتلك رؤية واضحة ومعاصرة للواقع الراهن وآفاق تطوره والإيمان بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية, ولا يمكن تصور أي مثقف حقيقي لا يتفاعل مع قضايا عصره ومجتمعه ولا يقلقه مصير البشر".

إنه كما يصفه إدوارد سعيد من "يعكر الصفو العام"، يحرك المياه الراكدة، عين على الماضي، على ذاكرة الأمة، وعين على التطورات الثقافية والفكرية والعلمية لدى الغير، يلهم لكن دون أن يسمح بأن تسلب أو تستهان العقول، ينزل إلى العامة ليكون معهم، يشعر بهم ويحاكي قضاياهم من بينهم وليس من فوق أبراج عالية، قادر على منازلة كل فكر دخيل مفسد بالحجة والدليل والتوسع لاستيعاب كل فكر حضاري بناء لا يأخذ من الهوية بل يثريها، لا ينتظر شكرا أو جزاء من أحد غير رضا الله ورسوله، وعليه من كان على هذه الصفات يجب ألا يضرب عليه حصار بل يجب أن يدعم من أجل أن يسهم في الارتقاء بمجتمعه ونتركه يقود مسيرة الإصلاح والتغيير والتقدم، وما دام ينطلق من احترام الدين والشعور بالمسؤولية، لنعيد للثقافة مكانتها الأولى ولنعيد للمثقف دوره، فحن نمتلك من الثقافة ما بنى حضارات ونشر الفكر والآداب والفنون، ولنحرض على حماية هذه الثقافة، لأنك إذا هزمت الثقافة.. هزمت الإرادة، وإذا هزمت الإرادة.. خُلق الاستسلام، وإذا خُلق الاستسلام.. تسلل الاستعمار المقنع.