ليس المهم كم عدد الموهوبين لدينا في العالم العربي، وليس المهم كم عدد الاختراعات العربية المسجلة في المنظمة العالمية للحقوق الفكرية WIPO، لكن المهم، ونقولها للمرة الألف، هو كم عدد المخترعات التي تم تحويلها إلى صناعات وبضائع وحولت الميزان الاقتصادي في بلداننا العربية إلى ميزان إيجابي، أولاً تفوق فيه نسبة الصادرات نسبة الواردات، وثانياً نحقق "اقتصاد المعرفة".. ذلك الينبوع الذي لا ينضب. أقول هذا الكلام بمناسبة تقرير الـWIPO لعام 2012 الذي خرج للتو ويظهر تقدم المملكة على الدول العربية مِن حيث عدد طلبات حقوق الملكية الفكرية التي قدمتها لهذه المنظمة العالمية في عام 2012. وطبقاً لأرقام أعلنتها المنظمة مِن مقرها في جنيف الاثنين 25/3/2013، فإن عدد طلبات براءة الاختراع التي قدمتها الدول العربية491 طلباً، منها 294 طلباً للسعودية.

وأظهرت أرقام WIPO أن السعودية سجلت زيادة ملحوظة في عدد طلبات براءات الاختراع خلال العامين الماضيين، فَمِن81 طلباً قدمتها في عام 2010 إلى 147 طلباً في عام 2011، إلى 294 طلباً في 2012، لتسجل بذلك زيادة قدرها 100% في عدد طلبات 2012 ، مقارنة بـ2011، وزيادة قدرها 263%، مقارنة بين عدد طلبات 2012 وطلبات عام 2010.

وجاءت قطر بعد السعودية مباشرة بـ 53 طلباً، ثُمَّ الإمارات 52، ثُمَّ مصر في المرتبة الرابعة 41، بعدها المغرب31، ولبنان 6، وتونس 5، والجزائر 4، والبحرين، والأردن 2 لكل منهما، واليمن1. وقالت المنظمة إن طلبات براءات الاختراع على الصعيد الدولي بلغت 194,400 طلب في عام 2012، بزيادة قدرها 6,6%عن العام الماضي. وكانت حصة الأسد من الطلبات للولايات المتحدة واليابان، حيث بلغت نسبتهما 48,8% مِن مجموع الطلبات العالمية. وأودعت الولايات المتحدة 51,207 طلبات، لتتقدم بذلك على اليابان 43,660، وألمانيا 18,855، والصين 18,627، وكوريا الجنوبية 11,848. وكان أكبر مودع لبراءات الاختراع في عام 2012 شركة الاتصالات الصينية 3,906، تلتها شركة "باناسونيك" (اليابان)، ثُمَّ "شارب" (اليابان)، وبعدها "هوآوي" (الصين)، و"بوش" ألمانيا. ومِن حيث القطاع الصناعي، استحوذ قطاع الأجهزة الإلكترونية على 7,5% مِن مجموع طلبات براءات الاختراع، ليتقدم بذلك على أنظمة البرمجيات 7%، والتقنية الطبية 6,4%.

العالم المتقدم بنى تقدمه ووصوله إلى مرتبة العالم الأول بفضل هذه المخترعات التي يحولها بشكل عاجل إلى صناعات وشركات منتجة تحقق ما يأتي: توظيف مزيد من المواطنين في هذه الشركات والمصانع الجديدة، وزيادة الصادرات وتعديل الميزان الاقتصادي لتكون نسبة الصادرات أعلى من نسبة الواردات، وهذا مؤشر دقيق لقوة أي اقتصاد.

وقبل طرح السؤال الكبير نؤكد حقيقة ضياع كل المخترعات وعدم تحويل أي منها إلى شركات ومصانع منتجة رغم مرور أكثر من عقد على بداياتها. والحقيقة الثانية عدم وجود هيئة أو منظمة أو جهة في أي دولة عربية تحتضن هذه الإنجازات العلمية وتحولها إلى صناعات. الذي يتحقق خطوتان والمطلوب ثلاث خطوات. الخطوتان المتحققتان هما تسجيل الاختراع والخطوة الثانية الاحتفاء به. والخطوة الثالثة الهامة التي لم تتحقق هي تحويله إلى منتج يحقق الأهداف الثلاثة التي ذكرتها آنفاً.

في هذه البلاد الكريمة احتفلنا على مدى سنوات بالكثير من هؤلاء، وسجلوا براءات اختراعات كثيرة، واحتفت بهم المراكز العلمية من ماليزيا إلى أميركا مروراً بالمراكز العلمية في أوروبا. وحصلوا من هذه المراكز على اعترافات وجوائز، ووصل عدد مخترعاتنا في السنوات العشر الماضية الآلاف، ونسأل هنا سؤالاً كبيراً: أين هذه المخترعات..؟ ولماذا لا يتم التعامل معها مثلما يتم التعامل مع مثيلاتها في العالم الأول؟ ولماذا لا يوجد لدينا هيئة تحول المخترعات إلى منتجات كمثيلاتها؟ في البلاد المتحضرة والمتقدمة لا يمضي شهر من تسجيل براءة الاختراع حتى يتحول ذلك الاختراع إلى شركة تسهم في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية.. والتفصيلات في ذلك كثيرة. وبما أننا رغم ما كتبناه هنا من مرات لم نجد الرد أو التجاوب فسأحاول الاجتهاد لتحديد المشكلة. المشكلة أن المخترع عندما يريد استثمار اختراعه وتحويله إلى شركة منتجة عليه أن يتعامل مع عدة وزارات، بما في تلك الوزارات من بيروقراطية، ومنها وزارة المالية للحصول على المال، ووزارة التجارة لتحديد مواصفات المنتج، ووزارة البلديات للحصول على الأرض. وتوضع العراقيل تلو العراقيل وتطول الإجراءات ويضيق نفس أصحاب الطلبات، مع العلم أنه من المفترض ألا تكون مسؤولية تحويل المخترعات إلى بضائع مسؤولية المخترع، فليس هذا دوره. وقد اقترحت أن تنشأ "هيئة المخترعين"، تحتضن هؤلاء المبدعين. وقلت إن عدونا الأول هو الوقت.

في كل عام تنشر لنا منظمة المخترعين العالمية WIPO أعداداً جديدة من المخترعات في بلادنا وفي العالم العربي، وهدف هذه المخترعات لا يقتصر على تسجيلها والاحتفاء بها.. هاتان خطوتان مهمتان لكنهما غير كافيتين، بل لا بد من الخطوة الثالثة التي تتمثل قي تحويل تلك المخترعات إلى منتجات تعزز اقتصاد بلادنا وتوظف عاطلينا. لماذا نحن متأخرون في تحقيق هذه الخطوة؟ لماذا لا توجد لدينا هيئة ترعى هذه الاختراعات وتحولها إلى منتجات؟ العالم الأول وصل إلى هذه المرتبة بفضل جهود المميزين فيه، وبالتحديد أصحاب المخترعات. هذه الإنجازات النوعية يجب ألا يقف ابتهاجنا عند سماعها والاحتفاء بها. الاحتفاء شيء جميل، ومن حقنا وحق الذين حققوا هذه الإنجازات أن يحتفي بهم الوطن ويفخر، لكن الاحتفاء وحده لا يحقق الأهداف التي من أجلها كانت هذه المخترعات. من المهم جداً، بل من أقصى الضرورات، تأسيس هيئة للمخترعين لتحويل مخترعاتهم إلى شركات توظف مواطنين وتصدر بضائع وتحقق بدائل دخل، تدعم وضعنا الاقتصادي وتضعنا في مصاف العالم الأول. إن تأخرنا لا يخدم بلادنا. نحن نعرف أن 93% من دخلنا يقف وراءه مصدر واحد.. وهذا أمر خطير جداً. ومن مبادىء الاقتصاد نعرف أن تنويع الدخل مطلب أساسي، وتأسيس هيئة للمخترعين هدفها تحويل المخترعات إلى منتجات مطلب أساسي، فيه تنويع للدخل لتنوع المخترعات وتنوع المنتجات التي سيتم تصديرها من بلادنا. أرجو أن يجد هذا المطلب آذانا واعية وصاغية.