غريب شأن أميركا!. تريد أن تبني مسجداً قبالة أنقاض برجي التجارة العالميين اللذين دُمراً في هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، على الرغم من التقارير والتحقيقات التي أشارت من يومها إلى أن الإسلام المتشدد كان وراء هذا الحدث!.

أميركا تريد أن تقول: إن بناء مسجد في موقع هذا الحدث الذي هز العالم كله وجرح (بل ذبح) كبرياءها، دليل على أنها بلد التسامح والديموقراطية وحقوق الإنسان، وأن علاقتها بالعالم الإسلامي لا يمكن أن تعكرها حادثة كتلك، وأنها تفرق جيداً بين مسلمين معتدلين عادلين وسطيين متسامحين متحضرين نيّرين خيّرين، وبين مسلمين متشددين عنيفين قاعديين كهوفيين ظلاميين دمويين قتّالين لا يفرقون بين ظالم وبريء!.

غرابة أميركا هنا، تتمثل في تناقضات سلوكها، فالظاهر حق ولكن الباطن (أو الظاهر الآخر) باطل!.

فبسبب الاعتداء على البرجين وقتل المدنيين الأبرياء فيهما كان احتلال أفغانستان ثم العراق وقتل ملايين المسلمين الأبرياء، ثم هدم العديد من المساجد في كلا البلدين، بل وصل الأمر إلى الاعتداء على القرآن الكريم، فكيف يستقيم الأمر إذن عندما تهدم المساجد في بلدين إسلاميين وتبني مسجداً على أنقاض البرجين؟!.

وكيف يستقيم الأمر وكل قضايا المسلمين خاسرة على طاولات اتخاذ القرار في الكونجرس أو حتى في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن بسبب الفيتو الأميركي؟!.

ولماذا تمد إسرائيل بكل الأضواء الخضراء لتفعل كل ما تريد في الفلسطينيين وفي المعالم الإسلامية التي تهودها وفي المسجد الأقصى التي تحاول إزالته لإقامة الهيكل المزعوم؟!.

هل العالم الإسلامي في حاجة إلى بناء مسجد جديد في أميركا أم في حاجة ماسة إلى حماية المساجد التي على أراضيه؟!. ترى هل فكرت أميركا في مثل هذا السؤال؟!.

ثم ألم يصدق قولنا على لسان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في قصيدة "أميركا" من ديوان "البشارة 6":

هُنَا خُبْزٌ وَحُرِّيَّةْ

وَشَعْبٌ طَيِّبُ النِّيَّةْ

يُرِيقُ الْمَالَ فِي يَدِنَا

فَنَصْنَعُ مِنْهُ قُنْبُلَةً

لِيَحْيَا سَالِماً مِنْكُمْ

مَآذِنِكُمْ.. مَسَاجِدِكُمْ

وَأَحْقَادٍ عُرُوبِيَّةْ

فَأَنْتُمْ غَرْسَةُ الشَّيْطَانِ

سَقْطٌ.. مَا لَهُ دِيَّةْ؟!.

وإذا كان الشعب الأميركي (الطيب) تماماً كشعوبنا (الطيبة)؛ يتلهّى بظواهر الأمور ولا تعنيه بواطنها، فلتدعنا أميركا نعمل بالمثل الصيني: "لا تعطني السمكة.. ولكن علمني كيف أصطاد السمكة"!، أقول: لا تبنِ لي مسجداً.. فقط اترك لي مسجدي.. لا تهدمه.. أو على الأقل لا تحم هادمه!، وعندئذ فقط نستطيع أن نقبل مبررات بناء مسجد على أنقاض البرجين، وأننا لم نعد سقطاً.. ما له دية!.