استيقظت صباح الأمس على رسالة من (الواتس) تعود لذكريات ذاكرة منقرضة: صديق الدراسة القديم يرسل لي جدولي الدراسي في الصف الأول المتوسط مكتوباً بخط يدي وتحته اسمي الرباعي يوم كنا جميعاً (شمعة) في سراديب الجهل في بيت حجري في سراة عبيدة. أين تكمن القصة المدهشة: انتظرت ابني الأوسط (محمد) حتى عاد من ذات الصف في مدرسته لأطلب منه جدوله الدراسي. حذو القذة بالقذة وذات الأسماء والمنهج والتراتيل وعدد الحصص وتوزيع المواد التي كان عليها والده قبل ما يقرب من خمس وثلاثين سنة. طفل يعيش في القرن القادم لكنه يذهب كل صباح في غارة إلى دهاليز العصور الوسطى، وقد حسبتها بالضبط: في حقيبته اليوم 546 ورقة من الكتب تماثل ذات الأثقال التي كان يحملها أبوه قبل عقود أربعة. تغيرت وسائط الاتصال ومصادر التعلم جذرياً في ثورة كاملة ولم تتغير طريقة المنهج. بعدها، لا تسألوا هذا الطفل لماذا يكره المدرسة! يكرهها لأنه الطفل المؤمن أنها لم تعد في عالم اليوم وسيلة معرفة. يكرهها، مثلاً، لأن درس الجغرافيا يحشوه بالطقس والتضاريس، وهو المدمن لبرنامج (الأرض) الجوجلي الذي يأخذه إلى عوالم القارات كصقر يهبط إليها من السماء بضغطة إلكترونية. يكرهها، لأنه، وكما يقول لي، يستطيع أن يختصر كل كتب التاريخ من العصر الجاهلي إلى تاريخ بلده الحديث ببضعة أفلام وثائقية ترسخ في الذاكرة البصرية بكل الامتياز، بدلاً من هذا الحشو الورقي الهائل الذي جعله حامل أثقال لكتب التاريخ الألف يوم في مسيرته الدراسية. يكرهها، مثلاً، لأن المدرسة حولت هذا الدين العظيم إلى (امتحان) مدرسي بينما ما زال منذ عامين يتحدث عن (فيلم وثائقي) مدهش عن أركان الإسلام الخمسة.. يخبرني كيف تعلم الوضوء وأركان الصلاة وواجباتها من فيلم (كارتوني) اختصر كل سنوات المدرسة في عشر دقائق. يكرهها، مثلاً، لأن (لغتي الخالدة) تعيش في كوكب سماوي لا ينطق منه حرفاً واحداً في كل حياته اليومية، ومازالت هذه المدرسة تعلمه كل يوم كيف يكره لغته.

الفارق بيني وبين (حمود) أنني أنهيت الثانوية العامة دون أن تصل لبلدتنا الأثيرة حتى صحيفة يومية واحدة. كنا نقتات في المعرفة على الكتب المدرسية، أما هذا (الحمدون) فيحمل في جيبه جهازين تطاردهما المدرسة بالتفتيش كل صباح، بينما فيهما كل أسئلة هذا العالم وإجابات كل الأسئلة. ومن جهاز واحد يدخل كل مواقع الدنيا وصحفها ومدنها ومجتمعاتها.. تضاريس الأرض وتاريخ شعوبها وأسئلة أديانها ولغاتها التي يصادرها (المراقب) عند الباب ليأخذ (حمون) من العصر القادم إلى العصر الوسيط. غداً نكمل