تمضغهم أسماك القرش، وتنهشهم عصابات البشر المتوحشين.. على أن الناجين منهم يتساقطون في متاهة البحث عن فرصة للحياة وملاذ آمن يخلدون فيه للنوم أو العمل.

ولد المئات منهم على حقول من بارود، واختاروا الرحيل صوب أصقاع وفيافي الأرض بحثاً عن أوطان بديلة، ولم تكن هذه رغبتهم قدر ما هو حكم التاريخ في إيقاع عقوبات الاغتراب القسري ضد شعوب اختارتها حكومات الوفرة والتفوق مكاناً لصراعاتها المحمولة على رافعة الاستبداد وقاطرات الفراغ الفكري الذي يستقطب تجار الحروب وهواة الإغواء.

لم تكن تراجيديا الاقتتال بين الجماعات الصومالية الصومالية، والصومالية الأفريقية بعيدة عن عيون وأصابع بعض الحكومات الشقيقة قبل أن يخرج الأمر عن نطاق السيطرة ويدرك العالم بأسره مخاطر الاستمتاع بكوارث الاستبداد وعواقب العزف على أعصاب المجتمعات الفقيرة والمنهكة.

لقد تفرج العالم المتقدم على أوضاع القرن الأفريقي حد الشرود واللامبالاة، فيما غابت الرؤية الاستراتيجية العربية لاعتمالات الوضع الصومالي، بوصفه شأناً داخلياً مقطوع الصلة عن أي احتمالات تستقرئ النتائج وتستشرف مخرجات الكارثة ونطاق تأثيرها على بلدان الجوار الإقليمي وممراتها البحرية المشتركة.

وخلال مراحل التغافل والتجاهل لمجريات الأحداث المستعر أوارها على امتداد الرقعة الجغرافية الأفريقية؛ أخذت الضائقة الاقتصادية في التفاقم، ومارس العوز ضغطه اليومي على عقل المجتمعات السمراء لتؤدي خبرة السلاح دورها المتعاضد مع دافع الحاجة، وفجأة تفتح حكومات العالم عينها المطفأة لتجد نفسها أمام مخترع أفريقي صومالي يدعى (القرصنة)..

كل ما كان سيئاً في الماضي يمكن رؤيته أفضل من معادلات الحاضر.. فالطغاة الأقوياء انقرضوا "هيلاسلاسي" قضى وفي حلقة غصة انهيار منظومة الحياد وعدم الانحياز، و"هيلاري مريام" غادر ذاكرة أفريقيا غير مأسوف عليه.. وفي متواليات العصف المأكول رأينا سلة الغذاء العربي الأفريقي تحترق على يد خليفة المسلمين الأسود جعفر النميري لينقسم السودان إلى شمال بحجم سجادة البشير وجنوب بمستوى رهانات الترابي.. لم يعد ثمة أوزان ثقيلة يمكن التعامل معها.. قال قوم أهذا ما خطط له النظام العالمي الجديد؟ حسناً.. وأين بدائله.. وهو يعود أدراجه غداة الإخفاق عن مواجهة مشكلات النزوح الأفريقي إلى بلدان كادت تصل هي الأخرى حافة الهاوية قريباً من النموذج الصومالي البائس؟

ولا شك أن دروس الكوارث تساعد على امتحان البشر ببعضهم، ومن هذه الزاوية سيكون على الحكومة اليمنية تعقب الهجرات الجماعية الأفريقية المخالفة شروط الإقامة القانونية أو غير المشروعة.. هذا حقها دون ريب، فإلى جانب كونها تعاني ظرفاً اقتصادياً معقداً وتعيش على أمل التعافي من الأزمات الطاحنة التي عصفت بها منذ أحداث 2011 الماضية إلى ذلك فهي وحدها المسؤولة عن ممارسة حقوقها السيادية وقول لا أو نعم لمن يطلب الهجرة إليها أو يطمع في العمل مع أبنائها، وهي المختصة بسن التشريعات المنظمة للعمالة الخارجية الوافدة.

تصورنا هو أن لدى الحكومة اليمنية من الوسائل ما يفوق الحاجة لشحن مئات الرجال والنساء والأطفال الأفارقة على نفس الزوارق التي قذفت بهم إلى شواطئها.. ذلك ما تستطيعه الحكومات في الظروف الاستثنائية العابرة، غير أن للسياسات الاستراتيجية بعداً يتجاوز ضغط المشكلات الآنية وطفحها العارض! وبداهة لا مشكلة حيث يقرر الضعفاء نسبياً استخدام القوة في مواجهة الأكثر ضعفاً منهم..

وفي وضع اليمن مثلاً لن يكون ثمة من يشيح وجهه خجلاً من انتهاج تدابير لا تتسق مع دواعي الأخوة والجوار، وسيكون في جعبة السلطات الرسمية من المبررات ما يقنع المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان ويحد من قدرتها على استخدام ورقة الانتهاكات، سواء كان ذلك لدوافع إنسانية أو لمسوغات سياسية.. فإلى جانب عدم قدرة الاقتصاد اليمني على تحمل تبعات اللجوء الأفريقي والهجرات الشرعية وغير الشرعية المقدرة بأكثر من مليون نسمة، كما أسلفنا، فإن اليمن يواجه معضلات صحية جراء انتشار الأمراض المعدية في أوساط اللاجئين. كما تسجل الإحصاءات الأمنية عشرات المخالفات اليومية المؤرقة.. ترى ما الذي يعوق الدولة عن اتخاذ إجراءاتها، ولو من قبيل معالجة جزء من معضلات التضخم السكاني واستيعاب العمالة اليمنية في دول الخليج العربي..؟

قبل بضع سنوات نفذت السلطات الأمنية حملات مداهمة استهدفت عدداً من تجمعات اللاجئين في المدن الرئيسة، غير أنها لم تجد بداً من الكف عن الثقب الأمني كنافذة لتحقيق مصالحها، وتوقفت حملاتها لا لنزعة إنسانية، ولكن لاعتبارات سياسية على قدر من الجدية والخطورة.

فالذين استطاعوا الإفلات من الحملات الأمنية تبين التحاقهم بجبهات القتال في صعدة، وقبض على بعضهم ضمن أسرى المواجهات وأصابعهم على الزناد، أما أفواههم فتلهج بشعار الموت لأميركا.

ومن الجانب الآخر تحولت الهجرة غير المشروعة إلى عمليات ممولة عالية التنظيم تدار عن طريق جماعات التطرف السياسي والديني.

أتحدث عن البشرة السمراء من غير شماتة ولا ازدراء، وقديماً كانت هذه القارة محجة المضطهدين على عهد ملك الحبشة النجاشي.. ويوماً ما ربما حل الاستقرار في دول القرن الأفريقي، وقد تغدو الصومال ملاذاً آمناً لشعوب أدركها الشقاء وحكومات أصابها التضخم.. فما الذي سترويه الأيام من عِبر، سيما ودوام الحال من المحال؟!