..والفكرة التي ابتدأتها أمس، حول هذا التطابق التكاملي بين جدولي الدراسي قبل أكثر من ثلاثين سنة، وبين جدول ولدي الأوسط هذا الصباح، بالصف الدراسي ذاته، تكمن في الغيبوبة التامة عن مستجدات العصر. المدرسة اليوم لا تشكل من عوالم ومصادر التعلم إلا رمزية نسبية ضئيلة، ولا تأخذ من دنيا المعرفة لدى أجيال اليوم غير خط هامشي ضئيل وضحل. ويخطئ من يظن أن ثورة الاتصال الإلكتروني والفضائي ستغير – فقط – من بناءاتنا الاجتماعية والثقافية. على النقيض، فهذه الثورة الاتصالية المتسارعة ستحيل كل نظام العالم التربوي والتعليمي إلى متحف للتاريخ، وخذوها على مسؤوليتي: بعد عقود قليلة قادمة ستلغي هذه الثورة المدهشة مفهوم المدرسة التقليدية بالكامل، وستحول ملايين المدارس حول هذا العالم الفسيح إلى كتل خرسانية خالية. ستصبح كل جامعات الدنيا بفضل هذه الثورة، جزءاً من حياتنا المنزلية، وقد يذهب أبناء ولدي (محمد) كل صباح إلى مدرسة (عولمية) في كوالالمبور وهم في غرفهم الإلكترونية. سيأتي في القريب المنظور ذلك اليوم الذي نبني فيه غرفة دراسية في بيوتنا بجوار الصالون والمجلس والمطبخ. خذوا هذا المثال: مع بداية فصل الشتاء الدراسي الحالي، فتحت كلية هارفارد للقانون ـ أم مدارس الدنيا ـ فصلا دراسياً عولميّاً ينتظم فيه اليوم أحد عشر ألف طالب حول العالم، برسوم دراسية كاملة. طلاب من ثلاثة وأربعين بلداً حتى اللحظة، وكلهم على الشبكة في اللحظة ذاتها، يتابعون أستاذهم من (بوسطن) الأميركية، وعلى كل طالب أن يضغط كل دقيقتين على حرف (H)، رمز هارفارد لتأكيد الحضور والانتظام، وكل طالب يجيب عن أربعة أسئلة في نهاية ساعة المحاضرة للتأكد من الاستيعاب والمتابعة. هذه هي البدايات التي قلت سابقا بموجبها إن جامعات العالم ستصبح ذات يوم إحدى غرفك المنزلية، وبدلا من آلاف الأساتذة حول العالم في مادة واحدة، سيكتفي العالم ببضعة أساتذة في الفصل الإلكتروني الفضائي الموحد. وفي المثال الثاني؛ ستتخلص ولاية صغيرة مثل "فيرمونت" الأميركية من عبء الصرف على مئات المدارس الثانوية، بالاكتفاء بثانوية إلكترونية واحدة تقول إنها ستكون المثال عام 2025.
وبالحساب؛ 17 جهازاً اتصالياً أو تلفزيونياً في الجيوب الصغيرة أو الطاولات أو الجدران أو حتى في أسرة النوم. خمسة أطفال يدمنون بالأصابع على هذه الأجهزة نصف ساعات اليوم الواحد. يقرؤون منها أضعاف أضعاف أوراق المنهج الدراسي. هذا هو الفارق بيني وبين ابني (محمد).