الجميع الآن تحت الشمس في دول الربيع، أحزابا وتيارات وجماعات، ومن الطبيعي أن يحدث هذا الحراك الثقافي في وسائل الإعلام كناتج حتمي للثورات العربية، فشعوب الربيع أحدثت قطيعة سياسية سبقت نظيرتها المعرفية، في عملية معاكسة للثورات التاريخية الكبرى.. فأصبحت التيارات الإسلامية في مواجهة القوى والأحزاب المدنية، الليبرالية أو القومية والعلمانية.. ليس فقط على المستوى السياسي وإنما على المستوى الثقافي أيضا، وهو ما نلحظه في الإعلام العربي، خاصة في مصر وتونس.

أصبحت الفضائيات المصرية، تحديدا، ساحة مفتوحة للنقاش الحر حول الأوضاع في مصر، ومؤشرا حقيقيا لمستوى الوعي الثقافي للنخب المصرية.. غدا الجميع على طاولة الحوار، وأسلحة المواجهة بين الخصوم تقتصر على الأفكار والرؤى والنقد، حتى وإن خرجت عن المألوف أحيانا ووصلت إلى المشادات والاتهامات الشخصية، لكن المهم من هذه المواجهات هو تعرية كل طرف للآخر، وإظهار تناقضات الخصم أو رجعية أفكاره وعدم مواءمتها للعصر، أو إظهار البون الشاسع بين الأيديولوجيات والشعارات التي ترددها النخب وبين مخرجاتها على أرض الواقع. ويبقى الحكم للجمهور، الذي تفتح أمامه ملفات معرفية وثقافية تتعلق بحقوقه وواجباته، وأدواره المنتظرة فيما يتعلق بمستقبل وطنه.. أي أن هذه المرحلة تعد امتحانا حقيقيا لكل النخب والتيارات المصرية.

من هنا برزت أسماء عدة كإفرازات أولية لثورات الربيع، وإذا كان باسم يوسف قد برع في نقد الشخصيات المصرية، عبر كوميديا ساخرة تعتمد على التقاط وتسجيل مفارقات النخب بمساعدة مخرجات التقنية الحديثة في "الميديا"، فإن شابا آخر ـ إسلام البحيري ـ بدأ نجمه يسطع في مواجهة تيار السلفيين، وهي مواجهة فكرية صريحة ومباشرة، تتعلق ببعض القضايا الاجتماعية والسياسية في مصر، كمفهوم الدولة، أوزواج القاصرات..إلخ.. يعتمد "البحيري" على نقد مواقف وأفكار هذا التيار حول القضية التي يتم طرحها للنقاش، وبالحوار فقط، والجدل العلمي الصارم، حتى وإن حاول الخصم شده إلى ساحات التصنيف والاتهام والشخصنة، وقد نجح "البحيري" حتى الآن في كشف بعض العلل الثقافية التي تعاني منها التيارات الإسلامية في مصر.

ما يحدث الآن في الفضاء المصري خير، وإن كنا نحسبه شرا.