قد أفهم أن يتناول باحث قضية ما بالدرس والتحليل وفقا لأدوات منهجية، فيخرج بنتائج يكتنفها الواقع مهما كانت صادمة. غير أنه من غير المفهوم ولا المتقبل أن يكون الحكم على المشهد الثقافي المحلي والمثقف على وجه الخصوص بأنه "مثقف على الأغلب لا يقرأ إلا لأصدقائه"، كما ورد هذا التعبير في خاتمة مقال للزميل علي القاسمي في صحيفة الحياة في 21 من مارس المنصرم، لقد جاء المقال ضمن سلسلة انطباعات ومشاهدات شخصية في معرض الكتاب، الذي أقيم في العاصمة سجل عبره الكاتب رؤية عاطفية بحتة وانفعالية محضة، جاعلا من المشهد الثقافي المحلي وما يلتمع فيه من رموز ومبدعين وذوي شأن واشتغال لا يتجاوزون دوائر ثلاث: فإما مثقف حقيقي وشرطه أن يتطابق مسلكه الشخصي مع ما يفكر فيه وينتجه، أو مثقف مزيف استعار رداء الثقافة وروج له رفاقه و"أصدقاء المساء" كما يقطع بذلك الكاتب، وإما نرجسي لا يقرأ إلا نفسه دون النظر إلى من حوله من ألوان الطيف الفكري والإبداعي، وفي أغلب الظن أن توافر هذه الأحكام المستعجلة مرفود بمشاهدات ورؤى لحظية سيطرت على زميلنا القاسمي ساعة تدوين المقال، وهذا أمر ليس لنا إلا أن نقبله على علاته، أما جرأة التصنيف المتبوعة بحيثيات البحث في سلوك كل كاتب أو مبدع، وما إذا كان متطابقا مع نتاجه وحضوره الفكري أو الثقافي، فأزعم أن ذلك مطلبا عزيزا ومركبا صعبا، إذ عرفنا عبر استقراء واسع للتراث الأدبي والتاريخي علماء ومفكرين ورموزا علمية ونهضوية كان لهم في تشكيل الوعي العام وترسيخ أطناب الثقافة العربية أدوار غير معتادة بل متجاوزة، ولم نسمع أو نقرأ من يقلل من مجايليهم - آنذاك - من حضورهم ووهجهم بمجرد النظر إلى ما يعتريهم من طبيعة النفس البشرية من ضعف أو حظوظ نفس، أو غريزة مسيطرة.
لقد أشغل الكاتب نفسه وورط قلمه ورأسه في إشكالية التصنيف التي هي معول ينخر في كياننا الثقافي منذ أمد، فالبدء بترسيخ أن الثقافة سلوك كما فعل الزميل لا نختلف عليه، فالثقافة مكون حضاري تنموي لا يتأتى لكل أحد دون أن نربط ذلك بعوامل التنشئة أو حيوات المثقفين ومشاربهم ومآربهم فلكل فيما يخفيه أو يسلكه قراره واختياره وعليه مسؤوليته وتبعاته.
وهنا دعوة إلى البعد عن محاكمة النوايا ومحاسبة الطوايا؛ لأن همنا الثقافي المشترك أوسع وأبعد وأشمل من النظر عبر قناة ضيقة وبعين واحدة.