خيانة المال العام والفساد المالي، وعلى قدر فهمي له هو: القيام بعمل ما يلحق الضرر بالمصلحة الوطنية، بشرياً، أو مادياً، أو معنوياً، وهذا هو الفساد في أحد صوره فليس الفساد ظاهرة جديدة، ولا هي محصورة في مكان واحد، أو في نوعية معينة عامة أو خاصة، إنه جريمة تعادل خيانة الوطن وقد تزايد الاهتمام بهذه الظاهرة وآثارها الاقتصادية السلبية في السنوات الأخيرة لما ظهر لها من بوادر يصعب الصمت عنها.

من هنا يأتي السؤال أين يذهب المال الذي تخصصه الدولة لخدمة القطاع الصحي؟ النساء اللواتي توفين نتيجة الأخطاء الطبية في الأسابيع الماضية يصعب مواساة ذويهم بالكلمات أو العزاء كما أنه من الصعب تقبل صمت وزارة الصحة عن كل ما يحدث. فكل الضحايا كانوا من الأطفال أو النساء والفتيات الصغيرات علما بأن المبرر المعتاد أن هذه حالات فردية وكل مجتمع تحدث فيه مثل هذه الحوادث. سأتفق مع هذا فيما لو كنا معدومي الإمكانات المالية أو الكوادر المؤهلة. إلى هنا ولن نناقش الحالات الفردية ـ عوض الله أهالي المتوفين بالصبر الجميل ـ لكن ماذا عن المجمعات الكبيرة التي تفتقد إلى أبسط الأمور الطبية والإنسانية التي تمس حياة المواطن مباشرة. مجمع الأمل بالرياض أنموذجا لهذه التجاوزات؟

في مجمع الأمل تم نشر تجاوزات متعلقة بالمكان الذي أصبح الملاذ الأخير لفئة من المجتمع؛ نساء تعرضن لظروف قاهرة أدت بهن إلى هذا المكان، ملاذهن الأخير الذي أصبح هو أيضا جحيماً، وبيئة غير صالحة صحياً وإنسانياً، خاصة أن هؤلاء النساء والفتيات هن ضحايا أسر مفككة وضحايا عنف أسري وضحايا مشكلات اجتماعية ونفسية جعلت منهن ضحايا للمرة الثانية ولكن للأسف في مجمع الأمل.

وهنا آمل من المسؤولين بوزارة الصحة أخذ التقرير المصور الذي نشرته الصحف الإلكترونية عن "مجمع الأمل" على مأخذ المسؤولية الإنسانية والوطنية. وإذا كانت الصورة التي بثت من مجمع الأمل تتحدث عن ألف مقال يقال فإنه ليس من قول هنا نزيد فيه إلا أن نوجه نداء للأجهزة الرقابية أن تقوم بدورها تحديدا في مجمع الأمل لمحاربة الفساد المالي والإداري الذي يعاني منه هذا المجمع والأخذ بعين الاعتبار الفئة التي تحتاج إلى خدمات مجمع الأمل تحديداً.

إن عدم الالتفات إلى مثل هذه التجاوزات التي تمس حياة الإنسان المواطن لهو علامة فساد ودمار وشر وسوء في المجتمع، ومن هنا تأتي ضرورة وجود أجهزة أمنية وقضائية متخصصة، للكشف عنها؛ لضمان الشفافية والرقابة ونشر ثقافة مكافحة الفساد الإداري والمالي وعدم الاكتفاء بوجود منشأة رمزية بمسمى "نزاهة" لأن مكافحة الفساد مهمة الجميع وواجب وطني.