ما لا أستطيع أن أكتبه لكم من الأفكار كل صباح، تدخل إلى جيبي عنوة في المساء نفسه، ومرغم على قراءتها عبر وسائط الاتصال المختلفة. كل قصص وطني التي لا تصلح للنشر الكتابي موجودة على عشرات المقاطع (الواتسآبية) وكل الجمل التي تحلق فوق (الأشعة) الرقابية الحمراء تصلني (تغريدا) مثل هديل الحمامة التويترية.

مؤشر أداء الوزراء والوزارات موجود أمامي الآن بضغطة زر إلكتروني. أعمار أصحاب المعالي في الوزارة مع اللقب الأثير موجودة في ذات البيان الذي شاهده حتى اللحظة ما يزيد على الملايين العشرة. أسماء المتورطين في فضائح فساد مدينة جدة، تلك التي لا تكتبها الصحافة إلا (تورية) لوكيل سابق أو ثري شهير أو رئيس ناد رياضي أسبق. كل أسماء المتورطين في تزوير صكوك الباحة من السلك العدلي أو القضائي. أمامي أيضا على وثيقة من (الواتس) قائمة (المليارديرات) من الدعاة والوعاظ وأشهر مشاهير المنابر المختلفة مثلما أيضا أمامي بضغطة إلكترونية فضائح (بني ليبرال) مع المال والأعمال. أمامي أيضا على هذا الإلكترون المدهش حسابات بعض كتابنا الذين لو كتبوا لألف سنة قادمة لما بلغت مكافآت صحفهم (نصف مد) حساباتهم البنكية ولا ربعه ولا حتى مقدار زكاته. لم تلغ وسائط الاتصال مفهوم (الرقابة) فحسب، بل أيضا مسحت بأزرارها حفلة النفاق المجتمعي. عاملة منزلية أجنبية على وشك الترحيل، ترسل للملايين كل الدهاليز الخفية في القصور المتناثرة لصاحب الفضيلة في سور واحد بما فيها كل تفاصيل موضة الحداثة الصارخة التي يظن فيها صاحب (....) أنه سيخفيها بجملة من الأستوديو الفضائي الرسمي. نادل شارد في ملهى ليلي يفضح الفريق المقابل ثم يختم مقطعه بتصوير فاتورة السهرة التي تكفي وحدها، وعلى مسؤوليتي، عشر عائلات مكتملة لعام كامل مكتمل.

سأعترف لكم اليوم، أنني من أواخر (الداخلين) إلى هذا العالم الاتصالي الفضائي، ولكنني دخلته بالقوة والعمق كما هي عادتي في الإخلاص التام لأي فكرة طارئة جديدة. وبكل صدق، فقد أصبت بالدهشة حد الانهيار العصبي، لأنني القروي البسيط الذي شحن لمئة عام بهذه المثاليات الزائفة المصطنعة. كنت قبلها أصدق مقولات صاحب الفضيلة عن الزهد والورع مثلما كنت مهووسا بمثاليات (الليبرالي) في حديثه عن الأخلاقيات والقيم اكتشفت أنني كنت أعيش في (بدروم) المجتمع، بينما كل المجتمع يعيش في طابقين: طابق للوجه العام وثان فوقه لكل ما هو ........!!