في تاريخ السينما أفلام استثنائية. ممتدة على طول التاريخ، وتستمد مع الزمن، حياة وفعالية، مختلفة ومتجددة. من هذه الأفلام فلم NELL من إخراج البريطاني Michael Apted وبطولة الرائعين جودي فوستر وليام نيسون. الفلم مأخوذ من مسرحية Idioglossia للأميركيMark Handly. الفلم عبارة عن قصة فتاة تعيش مع أمها في منطقة بعيدة عن القرية ومنذ ولادتها قامت أمها بعزلها عن البشر لتعيش حياة طبيعية مع الطبيعة ولكن في قطيعة كاملة مع الجنس البشري. ولكن الأم تموت لتنفتح مع موتها ملفات هذه الفتاة. من هنا تبدأ القصة على عدة محاور واتجاهات كلها تحركت بسبب وجود هذه الحالة الاستثنائية: إنسان متوحش، أو إنسان بري. الإعلام من جهته متحمس لنقل هذه القصة الفريدة من نوعها. الأطباء النفسيون يعتبرون هذه الحالة حالة فريدة وكنزا سيمكنهم من إجراء العديد من البحوث الفريدة من نوعها. لكن في ذات الوقت هناك من رأى في هذه الفتاة روح الإنسانية. فهذه الفتاة ليست متوحشة ولا برية ولا أي شيء آخر. بل هي إنسانة تجيد التعامل مع الطبيعة أفضل منا. إنسانة تحتاج منا ليس قسرها لتصبح مثلنا؛ بل تحتاج منا أن نقترب منها ونحاول أن نتفهمها ونعترف باختلافها بل وأن نحاول الشعور بهذا الجمال. داخل كل هذه الخطوط يتحرك الفلم ويقدم المخرج قدرة عالية على الاقتراب من الشخصيات وتقريبها إلى المشاهد أيضا. وكأغلب الأفلام الرائعة نجد أن الفلم هو تعبير عن أزمة أو مشكلة كبيرة. فلمنا اليوم على سبيل المثال فيه تعبير قوي عن موقف اكتشاف الإنسان "المتحضر" المجتمعات "البدائية" ومحاولته إدخالها عنوة فيما يعتقد أنه "الإنسانية الحقيقية"، هذه القضية مقلقة للضمير الغربي حتى اليوم على خلفية التاريخ الاستعماري. علماء النفس شاركوا في استغلال ما كان يسمى بالإنسان البدائي في أفريقيا وأستراليا لتحويله إلى مجرد عينة للبحث، قيمتها تقتصر على كونها مفيدة بحثيا. الفلم هنا، كما هو الفن الحقيقي، ينتصر للإنسان في الأخير، من خلال كشف كل ما يعتبر عبثا بالإنسانية أو استغلالا لها أو كما قال فيلسوف التنوير كانط يوما: "تحويل الإنسان من غاية إلى وسيلة". هذا العمل يعتبر جريمة في حق الإنسانية. الفلم قدم لنا في المقابل نموذجا للتواصل الإنساني وقدرة البشر على التفاهم. فهذا الإنسان الذي يعتقد أنه أكثر تحضرا عليه هو أن يسعى للاقتراب من الطرف الآخر من خلال لغته وإحساسه. نحن أيضا على مستويات أقل حدة، لدينا كثير، صور سلبية عن آخرين نرى أنهم غريبي أطوار أو لديهم مشاكل في التواصل، ولكن هل قمنا نحن بالاقتراب منهم ومحاولة فهم لغتهم الخاصة أو أساليبهم الخاصة في التواصل والتعبير؟ مع Nell لدينا صورة مبهرة لهذه المهمة.
على المستوى الفلسفي يثير هذا الموضوع قضايا متعددة. فلاسفة كثير منهم على سبيل المثال جون ديوي ومارتن بوبر يرون أن الإنسان يوجد دائما داخل علاقات ودون أخذ هذه العلاقات في الاعتبار أثناء التفكير فيه فإنه يتعذر فهم هذا الإنسان. العلاقات متنوعة مع الطبيعة ومع الأشياء ومع الناس. العلاقات الاجتماعية لها اليد الطولى في التأثير على حياة الإنسان فمن خلالها يتعلّم الانسان اللغة والقيم الاجتماعية والثقافية التي تدير العلاقات داخل المجتمع. بحسب هذه الصورة فإن بطلة الفلم ستفتقد القدرات اللغوية والأخلاقية بسبب عزلتها عن المجتمع. الدعوى الأولى، أقصد بها العجز اللغوي، يبدو لا يثير إشكالا باعتبار أن هذه الفتاة بالفعل لا تتكلم على الأقل لغة يفهمها البشر. لكن الذي يثير الكثير من الإشكالات هو دعوى أن هذه الفتاة لن تمتلك القيم الأخلاقية التي يمتلكها البشر. بمعنى أنها لن تجد الشعور بالرفض لقتل الآخرين، على الأقل الأبرياء، ولن تجد مشكلة في الكذب أو الغدر أو غيرها من القيم التي تعبر مشتركة لدى الجماعات البشرية. البعض قد يذهب أبعد من هذا، إلى أن هذه المعاني كلها غير مُدركة أو مفهومة أصلا من قبل هذه الفتاة كما هي الحالة مع غيرها من الحيوانات. الفلم يثير إشكالا حادا مع هذه الرؤية فكثير ممن قابلوا هذه الفتاة وجدوا لديهم حسا مباشرا يفصلها عن الحيوانات ليس فقط بسبب شكلها البشري ولكن بسبب شيء أعمق، شيء في عينيها يقول إنها منّا وتفهمنا وتعرف انتماءها لنا. هذه الشعور ربما أسماه البعض المشترك الإنساني السابق على أي حالة اجتماعية.
هذه الحكاية نادرة واحتمال وقوعها بسيط جدا ولكنها حالة مربكة للتفكير النسقي والتسليمي الذي غالبا ما يوجّه تصوراتنا عن الناس خصوصا المختلفين. الاختلاف في أحيان كثيرة يحجب عنّا رؤية المشترك والمتفق عليه. الفلم يعرض حالة حادة باعتبار أن هذه الفتاة تعبّر عن حالة غريبة ليس فقط على جماعة معينة في سياق اجتماعي معين بل على البشرية كلها، وبالتالي فهي تفتح النقاش حول علاقة الإنسان بالكائنات الأخرى. الفتاة من منظور آخر على مستوى أعلى من العلاقات الأخلاقية مع الأشياء والكائنات الحيّة حولها من تلك التي يزاولها أغلب البشر. لذا ربما علينا أن ننظر لها لنتعلّم منها كيف نتعامل مع العالم المحيط بنا. الفلم أيضا يثير قلقا عميقا حين نفكر في العلاقة بين البشر "الأصحّاء" جسديا وذهنيا مع أولئك الذين يعانون من إعاقات تحجبهم عن ممارسة حياة تشبه حياة الأصحاء. أليس مثيرا للشفقة عجز مجتمعاتنا عن إيجاد طرق للتعامل معهم غير السجون التي نسمّيها مستشفيات؟ كل هذه أسئلة أقلقتني مع الفلم وبالتأكيد فإن هذا العمل الفني الرائع مفتوح على قراءات أخرى مختلفة.